أمواجُ الشعب الإيرانيّ
في مراسم التشييع
خالد حجازي
في مشهدٍ غير مسبوقٍ في تاريخ الجمهورية الإسلامية ، تحوّلت شوارع طهران ومدنٌّ إيرانيةٌ أخرى إلى موجٍ بشريٍّ هائل ، خرج لتشييع جثمان القائد الشهيد السيد علي خامنئي وأفراد أسرته ، في مراسمٍ امتدت أياماً ، واتخذت طابعاً دينياً وسياسياً كثيفاً ، حمل رسائل داخليةً وخارجيةً تتجاوز حدود الحدث نفسه.
هذا التشييع المهيب، الذي وصفته وسائل الإعلام العالمية بأنه واحدٌ من أكبر التجمعات البشرية التلقائية والمنظمة في الشرق الأوسط بل في العالم ، أعاد رسم صورة إيران في الوعي الدولي، بين سرديةٍ رسميةٍ تؤكد وحدة الدولة وقوة مؤسساتها، وسردياتٌ شعبيةٌ ورقميةٌ تكشف أن الرهان على التآكل الداخلي أو حدوث تمردٍ مجتمعيٍّ عقب اغتيال القائد هو رهانٌّ واهم.
الإعلام العربي بدوره قدّم تغطيةً متحفظةً للحدث، ركّز فيها على دلالات المشهد ، وتأثيره على توازنات المنطقة ، وعلى ما يحمله استشهاد القائد من أسئلةٍ حول مستقبل القيادة الإيرانية ونهجها السياسي في مرحلةٍ حساسةٍ من الصراع الإقليمي والدولي.
وفيما تتقاطع السردياتُ وتتباين القراءاتُ ، يبقى هذا التشييع حدثاً مفصلياً ، لا في تاريخ إيران وحدها ، بل في المشهد السياسيّ الأوسع للشرق الأوسط ، بما يحمله من رسائل ، وما يتركه من تداعيات ، وما يفتحه من أبوابٍ على مرحلةٍ جديدةٍ تتشكل ملامحها الآن.
* أمواجٌ بشريةٌ تهتف وتبكي وتشيّع قائدها كما لو أنها تعيد بعث روح الثورة من جديد ، حدثٌ لم يمرّ مروراً عادياً في الإعلام العالمي
العالم قرأ هذا المشهد باعتباره حدثاً تاريخياً غير مسبوقٍ من حيث الحجم ، والرمزية ، والدلالات السياسية ، ووصفه بالحدث الجماهيري الاستثنائي في حجمه وتأثيره ، وسائل الإعلام الدولية وصفت الجموع بأنها من أكبر التجمعات البشرية في التاريخ الحديث ، التقديرات الرسمية تحدثت عن 15 إلى 20 مليون مشاركٍ في طهران وحدها خلال أيام التشييع الأولى فقط ، وهو رقمٌ أثار دهشة المراسلين الأجانب الذين نقلوا صوراً لبحرٍ بشريٍّ يمتد بلا نهاية ، مراسلون من شبكاتٍ عالميةٍ مثل CNN وثّقوا تدفقاً مستمراً للمشيّعين داخل وخارج المصلى الكبيرفي طهران ، معتبرين أن المشهد يتجاوز كونه جنازةً إلى كونه استفتاءً شعبياً على شرعية النظام.
في القراءة السياسية، رسالةُ قوةٍ وتماسكٍ رغم الضربة، التحليلات الغربية رأت في المشهد عرضاً للقوة ورسالةً بأن اغتيال القائد لم يضعف الدولة ، بل أعاد توحيد القاعدة الشعبية حولها ، تقاريرٌ دوليةٌ وصفت الجنازة بأنها استعراضٌ سياسيٌّ موجّهٌ للخارج ، خصوصاً مع الشعارات التي رفعتها الحشود مثل الموت لأمريكا والموت لإسرائيل ، صحفٌ أوروبيةٌ وأمريكية فسّرت هذا الحضور بأنه ردٌّ جماعيٌّ على الضربة العسكرية ، ورسالةٌ بأن الشعب يرى في القائد شهيداً خالداً وأن موته قد يشعل موجةً جديدةً من التعبئة الثورية.
وفي القراءة الاجتماعية، بكاءٌ حارٌّ يعكس علاقةً عاطفيةً مع القيادة، التغطيات ركّزت على المشاهد العاطفية، البكاء الجماعي، محاولة لمس الأكفان والنعوش، المسيرات التي تمتد لكيلومتراتٍ لا نهائية، رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ يرددون أدعيةً ويهتفون بالثأر لدم الشهيد، هذه الصور دفعت محللين إلى القول إن الجنازة كشفت عمق الارتباط العاطفي بين قطاعاتٍ واسعةٍ من الشعب والقيادة الدينية والسياسية، وأنها لحظةُ تطهيرٍ جماعيٍّ تعيد إنتاج سردية الثورة الأولى.
أما في القراءة الإعلامية العالمية، انفجارٌ على شبكات التواصل، الحدث تحوّل إلى ظاهرةٍ عالميةٍ على منصات التواصل، حيث انتشرت ملايين المقاطع والصور، وشارك صحفيون ومعلقون من مختلف الدول في تحليل المشهد ، بعض المؤثرين الأجانب وصفوا القائد بأنه رمزُ مقاومةٍ عالميٌّ ، بينما انتقد آخرون ما اعتبروه توظيفاً سياسياً للحزن الشعبيّ ، هذا الانقسام الرقمي أظهر أن الجنازة لم تكن حدثاً محلياً ، بل لحظةٌ عالميةٌ أعادت فتح النقاش حول إيران ، ودورها ، وصورتها حول العالم.
القراءة الجيوسياسية ، قالت إنها لحظةٌ مفصليةٌ في الشرق الأوسط ، تقاريرُ دوليةٌ ربطت بين المشهد وبين مستقبل المنطقة ، معتبرةً أن هذا الحشد الضخم قد يعيد تشكيل ميزان القوى ، ويمنح القيادة الجديدة شرعيةً شعبيةً هائلةً في لحظةٍ حساسةٍ من الصراع الإقليمي.
العالم رأى في هذا المشهد أنه ، استفتاءٌ شعبيٌّ على النظام بعد اغتيال قائده ، عودةٌ لخطاب الثورة بقوةٍ غير مسبوقة ، تعبئةٌ جماهيريةٌ ضخمةٌ تحمل رسائل سياسيةٍ للخارج ، لحظةٌ عاطفيةٌ جماعيةٌ تعكس عمق الارتباط بين الشعب والقيادة ، حدثٌ تاريخيٌّ قد يعيد رسم المشهد الإقليمي.
* ماذا كتبت صحافةُ العالم ؟
المشهد كان هائلاً ، والصحافة العالمية تعاملت معه بوصفه حدثاً تاريخياً غير مسبوقٍ من حيث الحجم والدلالات السياسية.
صحيفة "الجارديان" البريطانية ، بحرٌ بشريٌّ غير مسبوق
وصفت الجارديان الجنازة بأنها حشودٌ بالملايين اجتاحت شوارع طهران من ساحة الثورة إلى ساحة الحرية ، في مشهدٍ اعتبرته الصحيفة تحولاً استثنائياً لبلدٍ كان قبل أشهرٍ شهد احتجاجات.
وكالةُ "رويترز " عرضُ قوةٍ في لحظةٍ حرجة
وصفت رويترز الجنازة بأنها استعراضٌ ضخمٌ للولاء الشعبي بعد الحرب مع الولايات المتحدة و"إسرائيل".
"إن بي سي نيوز" الأمريكية ، مراسمُ دينيةٌ وسياسيةٌ هائلة
وصفت NBC News الجنازة بأنها حدثٌ دينيٌّ وسياسيٌّ عملاق ، مشيرةً إلى توقعاتٍ بوصول عدد المشاركين إلى 20 مليونّ شخصٍ في طهران وحدها.
قناةُ "الجزيرة" الناطقةُ بالإنجليزية ، جنازةٌ ذات رمزيةٍ مقاومة
أبرزت الجزيرة حضور وفودٍ من أكثر من 100 دولةٍ ، ووصفت الجنازة بأنها سلسلةٌ من الطقوس الممتدة سبعة أيام ، مشيرةً إلى أن النعش كان مغطىً برايةٍ حمراءَ من كربلاء ترمز إلى المقاومة والتضحية ، كما ركزت على البعد السياسي للجنازة ، خصوصاً استبعاد الدول الأوروبية من الدعوات الرسمية.
قناة "فرانس 24" تعبئةٌ جماهيريةٌ ضخمةٌ وشوارعُ مغلقة
وصفت فرانس 24 الجنازة بأنها تعبئةٌ جماهيريةٌ هائلةٌ أغلقت شوارع طهران وأوقفت الحياة اليومية ، معتبرةً أنها رسالةُ قوةٍ موجهةٌ إلى خصوم إيران ، كما أشارت إلى حضورِ وفودٍ من حركات المقاومة الإقليمية مثل حزب الله وحماس ، وإلى الشعارات التي تكررت مثل الثأر، الثأر.
الصحافة العالمية قرأت هذا المشهد بأنه ، حدثٌ تاريخيٌّ غير مسبوقٍ من حيث عدد المشاركين ، استعراضُ قوةٍ سياسيٌّ في لحظةِ صراعٍ إقليميٍّ ودوليّ ، تأكيدٌ على رمزية المقاومة في الخطاب الإيراني ، رسالةٌ داخليةٌ لإظهار تماسك النظام رغم الانقسامات ، رسالةٌ خارجيةٌ بأن إيران ما زالت قادرةً على الحشد والتأثير.
الصحافة الأمريكية و"الإسرائيلية"
الصحافة الأمريكية ، كيف قرأت المشهد؟
وكالة "أسوشيتد برس" بحرٌ أسودٌ يطالب بالثأر
وصفت AP الجنازة بأنها طوفانٌ بشريٌّ غمر شوارع طهران ، مع مشاهد لملايين يرتدون السواد ويهتفون ضد الولايات المتحدة ، أبرز ما ركّزت عليه هو رفع لافتاتٍ تطالب بقتل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، تشبيه الحشود بأنها أكبرُ من تلك التي خرجت في جنازة قاسم سليماني عام 2020 ، تصوير الجنازة كرسالةِ قوةٍ في لحظةِ تفاوضٍ حساسةٍ بين إيران والولايات المتحدة.
قناة "فوكس نيوز" الإخبارية ، جنازةٌ ضخمةٌ ، وتهديداتٌ بالانتقام
ركزت Fox News على البعد الأمني والسياسي للجنازة ، ووصفتها بأنها حدثٌ ضخمٌ يجمّد المحادثات الأمريكية الإيرانية لمدة أسبوع ، أبرز النقاط ركزت على ظهور قيادات الحرس الثوري لأول مرةٍ منذ أشهر ، في رسالة تعبئةٍ ، وتأكيد مسئولين إيرانيين على أن الانتقام قادمٌ ، تصوير الجنازة كحدثٍ يرفع مستوى التوتر بين واشنطن وطهران.
شبكة "سي إن إن" الإخبارية ، رسالةُ تحدٍ لواشنطن
وصفت CNN الجنازة بأنها استعراضٌ ضخمٌ للقوة ورسالةٌ مباشرةٌ إلى الولايات المتحدة بأن إيران لم تنكسر رغم الحرب ، أبرز ما ورد في عناوينها ، الجنازة امتدت عبر خمس مدنٍ في إيران والعراق ، في أكبر تعبئةٍ لوجستيةٍ في تاريخ الجمهورية ، ربطُ الحدث بالرمزية الدينية والسياسية ، وبالتزامن مع يوم الاستقلال الأمريكي ، تصويرُ الجنازة كإعلانٍ أن النظام صمد رغم الحرب مع أقوى جيوش العالم.
الصحافة "الإسرائيلية" كيف فسّرت المشهد؟
صحيفة "جيروزاليم بوست" مسرحُ حدادٍ ورسالةٌ استراتيجيةٌ
قدّمت الصحيفة قراءةً تحليليةً ادعت فيها ان الجنازة أداةً سياسيةً تستخدمها إيران لإعادة تثبيت نفوذها الإقليمي بعد الضربة الأمريكية الإسرائيلية ، وأبرز ما كتبته هو أن الجنازة تهدف إلى إظهار أن إيران ما زالت قادرةً على الحشد والتأثير رغم الضربة ، وحضورُ الوفود من الجنوب العالمي يعكس محاولة إيران كسر عزلتها الدولية ، والجنازة تُستخدم كمنصةٍ لإعادة رسم سياسة إيران تجاه إسرائيل والولايات المتحدة.
الخلاصة المكثفة هي أن الصحافة الأمريكية ركزت على ضخامة الحشود ، الشعارات المعادية لواشنطن ، تجميد المحادثات ، الجنازة كرسالةِ تحدٍ سياسيٍّ ، أما الصحافة العبرية فركزت على الجنازة كأداةٍ استراتيجيةٍ لإيران ، محاولة كسر العزلة الدولية ، مخاوف أمنيةٍ من ردٍّ إيراني ، قراءةٍ مستقبليةٍ لسلوك إيران بعد الجنازة.
عناوين الصحف العربية حول مراسم تشييع القائد الشهيد
يمكن استخلاص الصورة التحريرية التي قدّمتها الصحافة العربية للجنازة ، أنها اعتمدت على وكالات الأخبار الدولية ، ولم تظهر عناوينُ عربيةٌ محليةٌ مباشرة.
النسخة العربية السعودية من صحيفة "عرب نيوز" قالت في تقريرٍ لها تحت عنوان ، إيران تشيّع خامنئي في أسبوعٍ من المراسم الحاشدة وسط لحظةٍ حرجةٍ للجمهورية الإسلامية ، وركز الخط التحريري في التقرير على أن الجنازة تأتي في لحظةٍ حرجةٍ للجمهورية الإسلامية بعد الحرب ، واصفاً المشهد بأنه أسبوعٌ من المواكب الجماهيرية ، مع إبراز حضور ملايين الإيرانيين بجانب وفودٍ أجنبية.
النسخة العربية من قناة الجزيرة ، عنونت تغطيتها الإعلامية بخبرٍ رئيسيٍّ يقول ، جنازة السيد الخامنئي تتحول إلى عرضٍ رمزيٍّ ضخمٍ يوظّف الدين والسياسة لتوحيد أنصار النظام ، وأبرز ما ركّزت عليه التغطية العربية في الجزيرة هو اعتمادُ الجنازة على رموزٍ دينيةٍ شيعيةٍ مكثفة ، واستخدام النظام لشعار نحن سننهض وقوموا لله ، إبرازُ صورة قبضة خامنئي كرمزٍ تعبويّ ، والتأكيد على أن الجنازة جزءٌ من رسالةٍ سياسيةٍ موجهةٍ إلى الداخل والخارج.
وفي خبرٍ آخر قالت قناة الجزيرة العربية ، إيران تبدأ مراسم تشييع خامنئي بمشاركة وفودٍ من أكثر من 100 دولة ، وكانت ملامح الخط التحريري هي التركيز على الطابع الدولي للجنازة ، إبراز الرمزية الدينية للراية الحمراء القادمة من كربلاء ، الإشارة إلى أن الجنازة تجري تحت وقفِ إطلاقِ نارٍ متوتر ، التأكيد على أن الدعوات لم تُوجَّه للدول الأوروبية بسبب موقفها من الحرب.
خلاصة العناوين العربية أنها قدّمت الجنازة عبر ثلاثة محاور رئيسية ، جنازةٌ حاشدةٌ في لحظةٍ حرجة ، تركيزٌ على ضخامة الحشود والظرف السياسي الحرج ، جنازةٌ ذات رمزيةٍ دينيةٍ وسياسية ، إبرازُ الرموز الشيعية وشعار قوموا لله ، جنازةٌ دوليةٌ واسعة الحضور ، مشاركة وفودٍ من أكثر من 100 دولةٍ ، وغياب الأوروبيين.
ماذا قالت الصحف المصرية؟
لم تظهر أيُّ تغطيةٍ مباشرةٍ أو عناوينَ محددةٍ حول جنازة القائد الشهيد على الرغم من مشاركة وفدٍ مصريٍّ رفيع المستوى في مراسم التشييع الرسمية ، ولم يظهر أيُّ مصدرٍ مصريٍّ مثل الأهرام ، الأخبار ، الشروق ، المصري اليوم ، الوطن ، اليوم السابع ، أو غيرها ، الصحف المصرية عادةً تغطي الأحداث الإيرانية ، لكن مراسم التشييع رغم ضخامتها ، قد تكون قُدّمت في الصحافة المصرية ضمن أخبارٍ عامةٍ منقولةٍ عن وكالات الأخبار العالمية والدولية مثل رويترز ، أسوشيتد برس ، فرانس برس ، أو الجزيرة ، وهذا يشير إلى أن الصحف المصرية ربما اكتفت بنقل الخبر دون إنتاج محتوىً تحليليٍّ خاص ، وبصورةٍ عامة ، اتسمت التغطية المصرية بطابعٍ خبريٍّ أكثر منه تحليلي ، حيث ركزت على حجم المشاركة الشعبية ، حضور الوفود الأجنبية والعربية ، الإجراءات الأمنية والتنظيمية ، مسار مراسم التشييع والدفن ، ولم تُبدِ معظم الصحف المصرية الرئيسة مواقف تحريريةً مطولةً بشأن الدلالات السياسية للجنازة ، بل اعتمدت بدرجةٍ كبيرةٍ على وكالات الأنباء والتقارير الإخبارية في نقل تفاصيل الحدث.
فلنتحدث إذاً عن رواد مواقع التواصل الاجتماعي ، كيف تناول الإعلام الجماهيري متابعة الجنازة ومراسم التشييع؟
المشهد الذي صنعه رواد مواقع التواصل خلال تشييع القائد الشهيد لم يكن مجرد تعليقاتٍ أو مقاطع ، بل تحوّل إلى إعلامٍ جماهيريٍّ موازٍ يشتغل بسرعةٍ ، وبعاطفةٍ ، وبقدرةٍ على تشكيل سرديةٍ عامةٍ تتجاوز ما تبثه القنوات التقليدية ، سنستعرض كيف تناول الإعلام الجماهيري ، السوشيال ميديا ، المنصات الإخبارية الرقمية ، مراسم التشييع ، وكيف انعكس ذلك على التغطية الإعلامية الكبرى.
كيف تناول رواد مواقع التواصل المشهد؟ ، موجةُ تعاطفٍ عابرةٌ للحدود ، انتشرت آلاف المقاطع التي تُظهر البكاء الجماعي ، لمس النعوش ، وترديد الأدعية ، المستخدمون في إيران وخارجها وصفوا المشهد بأنه ، أكبرُ تجمعٍ بشريٍّ في تاريخ المنطقة ، لحظةٌ ثوريةٌ جديدة ، مشهدٌ لا يمكن تجاهله إعلامياً ، هذه المقاطع حققت ملايين المشاهدات خلال ساعات ، وأصبحت المادة الخام التي اعتمدت عليها القنوات لاحقاً ، صناعة الرموز البصرية ، رواد السوشيال ميديا ركّزوا على عناصر محددة ، الراية الحمراء القادمة من كربلاء ، صورة القبضة المرفوعة ، الهتافات الجماعية ، البحر الأسود من المشيعين ، هذه العناصر تحوّلت إلى أيقوناتٍ أعادت إنتاج سردية الثورة بصرياً ، وهو ما التقطته القنوات لاحقاً في تقاريرها ، انقسامٌ رقميٌّ عالميّ ، على المنصات الغربية ظهر اتجاهان ، تعاطفٌ مع حجم الحشود واعتبارها ظاهرةً اجتماعيةً غير مسبوقة ، انتقادٌ لما اعتُبر توظيفٌ سياسيٍّ للحزن الشعبي ، هذا الانقسام الرقمي دفع الإعلام الدولي إلى تغطية الحدث بوصفه ليس مجرد جنازةٍ ، بل حدثاً عالمياً يثير جدلاً واسعاً.
كيف تناول الإعلام الجماهيري التشييع؟ ، الإعلامُ الجماهيريُّ هنا يشمل القنوات الإخبارية على يوتيوب ، المنصات الرقمية للصحف ، البث المباشر على فيسبوك وإنستجرام ، حسابات المؤسسات الإعلامية على منصة X تويترسابقاً ، الاعتماد على السوشيال ميديا كمصدرٍ أوليٍّ للمعلومات ، القنوات الكبرى استخدمت مقاطع المستخدمين بوصفها دليلاً على حجم الحشود ، مادةً بصريةً لا يمكن الحصول عليها عبر كاميراتها ، مؤشراً على المزاج الشعبيّ الحقيقيّ ، أصبح المستخدمُ العاديُّ مراسلاً ميدانياً دون أن يدري ، تغطيةٌ مباشرةٌ تعتمد على الزخم الرقمي ، عندما لاحظت القنوات أن الوسوم المتعلقة بالجنازة تتصدر عالمياً ، بدأت بثاً مباشراً مطولاً ، تحليلاتٍ فوريةً ، استضافة خبراء في الشأن الإيرانيّ ، إعادة نشر المقاطع الأكثر انتشاراً ، الإعلام الجماهيري هنا لم يقُد الحدث ، بل تفاعل مع موجة السوشيال ميديا التي سبقته ، تحويل المشهد إلى قصةٍ سياسية ، القنوات العربية والدولية ركّزت على الرسائل السياسية في الحشود ، الشعارات المرفوعة ، حضور قيادات الحرس الثوري ، غياب الوفود الغربية ، تأثير الحدث على الصراع الإقليمي ، وهذا التحويل من حدثٍ شعبيٍّ إلى قصةٍ سياسيةٍ هو ما يميز الإعلام الجماهيري عن السوشيال ميديا ، صناعةُ سرديةٍ موحدةٍ رغم اختلاف المنصات ، رغم اختلاف التوجهات ، اتفقت معظم المنصات على سرديةٍ واحدة ، الجنازةُ حدثٌ تاريخيٌّ غير مسبوق ، يعكس قوة التعبئة الشعبية في إيران ، هذه السردية لم تأتِ من صالات تحرير الأخبار الرسمية ، بل من تفاعل المستخدمين الذي فرض نفسه على الإعلام.
لماذا كان تأثير السوشيال ميديا أقوى من الإعلام التقليدي؟ ، لأن السوشيال ميديا تنقل المشهد من قلب الحشود ، تُظهر العاطفة الخام بلا مونتاج ، تتيح للمستخدمين التعبير الفوري ، تصنع رموزاً بصريةً "ميميز" تنتشر عالمياً ، تُجبر الإعلام التقليدي على اللحاق بها ، الإعلام الجماهيري أصبح مكمّلاً للسوشيال ميديا ، لا قائداً لها ، رواد مواقع التواصل صنعوا الحدث ، والإعلام الجماهيري أعاد صياغته ، السوشيال ميديا قدّمت العاطفة ، والإعلام قدّم التحليل ، والنتيجة كانت سرديةً عالميةً موحدةً تقول إن الجنازة لم تكن مجرد وداع ، بل لحظةٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ كبرى.
ما هي أهم ملامح التغطيات الصحفية الإيرانية لمراسم التشييع غير المسبوقة لا إيرانياً ولا عالمياً؟
هذه ليست مجرد نقاطٍ ، بل خريطةٌ سرديةٌ كاملةٌ توضّح كيف صاغت الصحافة الإيرانية حدثاً غير مسبوقٍ لا إيرانياً ولا عالمياً.
أهم ملامح التغطيات الصحفية الإيرانية لمراسم التشييع التاريخي
تحويل مراسم التشييع إلى استفتاءٍ شعبيٍّ على النظام ، الصحف الإيرانية قدّمت الحشود المليونية بوصفها دليلاً على شرعية النظام ، ووحدة الشعب ، وتجديد البيعة للقيادة ، لم تُقدّم الجنازة كحدثٍ عاطفيٍّ فقط ، بل كتصويتٍ جماهيريٍّ على استمرار النهج السياسي ، كانت العناوين من نوع "الشعب يودّع قائده ويجدد العهد" ، "ملايينٌ في الشوارع ، إيران أقوى من أيّ وقت" ، خطاب الثأر والانتقام كعنوانٍ رئيسي ، الصحف المتشددة ركّزت على أن الاغتيال يجب أن يُقابل بردٍّ مباشر ، أبرز العناوين التي ظهرت في الصحف الإيرانية ونقلتها وسائلُ إعلامٍ دوليةٌ ، "دمٌ مقابل دم" ، "الانتقامُ مطلبُ الشعب" ، "لن نرتاح حتى نثأر" ، هذا الخطاب لم يكن هامشياً ، بل كان جزءاً من الصفحة الأولى في عدة صحف ، توظيف الرموز الدينية الشيعية بكثافة ، الصحافة الإيرانية قدّمت الجنازة بوصفها امتداداً لرمزية كربلاء ، الراية الحمراء ، الأدعية ، الخطاب الحسيني ، وصف خامنئي بالشهيد والإمام ، والهدف هو دمج الحدث السياسي في سرديةٍ دينيةٍ تاريخيةٍ تمنح القيادة قداسةً ورمزية ، إبراز الانتقال السلس للسلطة ، الصحف ركّزت على أن الدولة لم تهتز ، وأن المؤسسات تعمل بكفاءة ، وأن القيادة الجديدة تتسلّم مهامها دون فراغٍ أو اضطراب ، العناوين كانت من نوع "النهج مستمر، القيادة ثابتة" ، إيران تدخل مرحلةً جديدةً بثقة" ، هذه الرسالة موجّهةٌ للداخل والخارج معاً ، التركيز على الحشود بوصفها ظاهرةً غير مسبوقة ، الصحف الإيرانية أكدت أن ما حدث أكبرُ من جنازة الشهيد قاسم سليماني ، أكبرُ من أيّ تجمعٍ في تاريخ الجمهورية ، حدثٌ لا مثيل له عالمياً ، والهدف هو إظهار قوة التعبئة الشعبية ، تجاهلٌ كاملٌ للسرديات المعارضة ، الصحف الإيرانية قدّمت صورةً موحّدةً تقول إن الشعب كله في الشوارع ، والكل يبكي القائد ، الصحف ركّزت على حضور وفودٍ من أكثر من 100 دولة ، حضور شخصياتٍ دينيةٍ وسياسية ، رسائل تعزيةٍ من دولٍ كبرى ، غياب الغرب بوصفه موقفاً سياسياً لا يؤثر على مكانة إيران ، والهدف كان تأكيد أن إيران ليست معزولةً ، تقديم الشهيد خامنئي بوصفه قائد الأمة ، لا مجرد زعيمٍ سياسيّ ، الصحف استخدمت لغةً فوق سياسية ، الأب الروحي ، قائد المستضعفين ، حامي الأمة ، رمز المقاومة ، هذه اللغة تهدف إلى رفع الحدث من مستوى السياسة إلى مستوى الأسطورة الوطنية.
الخلاصة السردية هي أن الصحافة الإيرانية قدّمت التشييع عبر أربع ركائز كبرى ، شرعيةٌ سياسية ، رمزيةٌ دينية ، قوةٌ شعبية ، رسالةٌ انتقاميةٌ للخارج ، وبذلك صنعت سرديةً تقول إن إيران لم تفقد قائداً ، بل دخلت مرحلةً جديدةً من القوة.
وأخيراً سأقدم تقييمي الشخصي للحدث
هو حدثٌ استثنائيٌّ في حجمه ورمزيته ، من منظورٍ إعلاميٍّ بحت ، ما جرى في مراسم التشييع كان واحداً من أكبر التجمعات البشرية المنظمة والعفوية في التاريخ الحديث ، الحشود ، الرموز الدينية ، البكاء الجماعي ، والطقوس الممتدة عبر مدنٍ عدة ، كل ذلك جعل الحدث ظاهرةً اجتماعيةً وسياسية تتجاوز حدود إيران ، لحظةٌ تكثّفت فيها السرديات المتناقضة ، الحدث كشف شيئاً نادراً ، بلدٌ واحد ، لكن بصورتين إعلاميتين عالميتين متعاكستين تماماً ، صورةٌ رسميةٌ وشعبيةٌ داخليةٌ تقدم الوحدة ، والحزن ، والرمزية الدينية ، وقوة الدولة ، وصورةٌ رقميةٌ عالميةٌ تدار من جانب الأعداء تقدم الانقسام ، والغضب ، والشماتة ، والنقد ، والاحتفال ، هذا التناقض جعل الحدث مادةً تحليليةً غنيةً للإعلام العالمي ، الجنازة كانت رسالةً سياسيةً بقدر ما كانت طقساً دينياً ، الإعلام الإيراني قدّمها كاستفتاءٍ شعبيٍّ على النظام ، الإعلام العربي قدّمها كحدثٍ إقليميٍّ مفصليّ ، الإعلام العالمي ادعى انها ظاهرة اجتماعية. من وجهة النظر المهنية ، هذا التعدد في القراءات يرفع الحدث إلى مستوى اللحظات التاريخية التي يعاد عبرها تشكيل صورة دولةٍ كاملةٍ في الوعي الدولي ، الحدث كشف قوة التعبئة الإيرانية ، سواءً اتفقنا أو اختلفنا مع النظام الإيراني ، فإن قدرة الدولة على تنظيم حشودٍ بهذا الحجم ، ضبط مسارات التشييع ، إدارة الرسائل السياسية ، وتوحيد خطابها الإعلامي ، تُعدّ قوةً ناعمةً لا يمكن تجاهلها في تحليل المشهد الإقليمي ، تشييع الشهيد السيد علي خامنئي لم يكن مجرد جنازةٍ ، بل كان حدثاً تاريخياً أعاد تعريف صورة إيران في الإعلام العالمي ، وكشف قوة الدولة ، وتعدد السرديات التي تتصارع على رواية المستقبل.
في النهاية يمكن القول إن مشاهد هذا التشييع التاريخي شكّلت حدثاً إعلامياً مركّباً ، تعددت قراءاته وتباينت سردياته بين الإعلام الإيراني والعربي والعالمي ، بحيث بدا كلُ فضاءٍ إعلاميٍّ وكأنه يعيد صياغة الحدث وفق منظوره السياسي والثقافي والجماهيري ، وهكذا ، تحوّل مراسم التشييع إلى مرآةٍ كبرى تعكس صورة إيران كما يراها كلُ طرفٍ ، قويةً ، منقسمةً ، مؤثرةً ، مثيرةً للجدل ، ومقبلةً على مرحلةٍ جديدةٍ ستعيد تشكيل المشهد الإقليمي والدولي بالكامل.
خالد حجازي؛ كاتب و اعلامي مصري
الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS