أكثر من عشرين يوما.. لماذا يستمر حصار قصرة رغم كل الانتقادات الدولية؟
لا يبدو حصار ثلاث عائلات فلسطينية في منطقة رأس العين ببلدة قصرة، جنوب نابلس، مجرد حادث أمني عابر أو حلقة منفصلة في مسلسل اعتداءات المستوطنين بالضفة الغربية.
فالمعطيات التي رافقت الحصار منذ التاسع من أغسطس/آب تشير إلى تداخل ثلاثة مسارات: محاولة فرض واقع استيطاني جديد على الأرض، وتقييد قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى ممتلكاتهم، واستخدام الإجراءات العسكرية الإسرائيلية لتثبيت الأمر الواقع.
وتكمن أهمية قصرة في موقعها الجغرافي والسياسي؛ إذ تقع المنازل المستهدفة في المنطقة المصنفة «ب» وفق اتفاقيات أوسلو، حيث تتولى السلطة الفلسطينية إدارة الشؤون المدنية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية. ومع ذلك، وجد سكان المنطقة أنفسهم أمام مستوطنين نصبوا خياماً بالقرب من منازلهم، ثم أمام جيش أعلن المنطقة «عسكرية مغلقة» وأغلق الطرق المؤدية إليها.
من الاعتداء إلى فرض الأمر الواقع
بدأت الأزمة، مع تحرك مستوطنين ونصب خيام على أراضٍ فلسطينية في الجهة الغربية من قصرة، في خطوة بدت أقرب إلى محاولة إقامة بؤرة استيطانية جديدة. ومع اعتراض الأهالي، تصاعدت المواجهة وانتقل الاستهداف إلى محيط ثلاثة منازل فلسطينية في منطقة رأس العين.
وهنا تبرز النقطة الأساسية في فهم أسباب الحصار: القضية لا تتعلق بالمنازل وحدها، وإنما بالأرض المحيطة بها وموقعها في معادلة التوسع الاستيطاني. فوجود عائلات فلسطينية في مواقع قريبة من البؤر الاستيطانية يعيق عملياً تمدد هذه البؤر وربطها بشبكة المستوطنات القائمة.
وتشير المعطيات إلى أن شبكتي المياه والكهرباء تعرضتا للتخريب خلال الأشهر الماضية، فيما أغلقت جرافات عسكرية طرقاً ومسارات مؤدية إلى المنازل وأقامت سواتر ترابية. وبذلك تحولت الضغوط من اعتداءات متفرقة إلى ظروف معيشية يمكن أن تجعل البقاء في المنطقة أكثر صعوبة.
لماذا استمر الحصار؟
اللافت أن الحصار لم ينتهِ رغم التراجع عن قرار إخلاء العائلات، وهو ما يطرح سؤالاً سياسياً يتجاوز الرواية الأمنية المباشرة.
أحد التفسيرات التي تبرز هو أن بقاء المنطقة مغلقة عسكرياً أبقى القيود على حركة السكان والمساعدات، حتى بعد تراجع الجيش عن الإخلاء المباشر. وبهذا أصبح السكان في وضع لا هم قادرون فيه على مغادرة المنطقة بأمان، ولا يستطيعون ممارسة حياتهم الطبيعية أو استقبال المساعدات والإصلاحات الضرورية للخدمات الأساسية.
كما أن استمرار وجود المستوطنين ومحاولاتهم تثبيت البؤرة الجديدة يخلق واقعاً ميدانياً متغيراً. فكل يوم يستمر فيه الإغلاق والقيود يمكن أن يساهم في إعادة تشكيل المشهد على الأرض، ويمنح البؤرة الاستيطانية الناشئة فرصة للتحول من وجود مؤقت إلى أمر واقع.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال ليس فقط: «لماذا لم يُرفع الحصار؟»، وإنما أيضاً: من المستفيد من استمرار الوضع القائم؟
«تقسيم للعمل» بين المستوطنين والجيش
ويبدو أن حصار قصرة بات يتجاوز مفهوم «عنف المستوطنين» إلى ما يشبه «تقسيم العمل»: المستوطنون يصنعون الأزمة على الأرض، بينما يفرض الجيش القيود التي تحول دون وصول الفلسطينيين إليها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل خطوة ميدانية تصدر عن جهة واحدة أو ضمن خطة معلنة، لكنه يكشف، وفق هذا التحليل، عن نتيجة سياسية واحدة: تراجع قدرة الفلسطينيين على حماية وجودهم والوصول إلى أراضيهم، بالتزامن مع توسع الحضور الاستيطاني.
وتقول منظمة العفو الدولية من جانبها أن ما يجري نمط من «الإرهاب الاستيطاني» المتسارع، وربطته بسياسات أوسع تتعلق بالاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين. كما أشارت إلى أن محاولات إيصال المياه والغذاء للعائلات اصطدمت بعوائق وهجمات على سيارات إسعاف، ما جعل الحصار يتخذ طابعاً إنسانياً وسياسياً في آن واحد.
قصرة في سياق مشروع أوسع
لا يمكن قراءة قصرة بمعزل عن التطورات الأوسع في الضفة الغربية خاصة بعد اتخاذ خطوات إسرائيلية تعتبر مؤشرات على ترسيخ الضم، من بينها نقل صلاحيات مرتبطة بالضفة الغربية من الإدارة العسكرية إلى أجهزة مدنية إسرائيلية، وتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
وتزداد أهمية هذا السياق مع الإشارة إلى مصادرة أراضٍ من قصرة لصالح مستوطنة «مجداليم»، وارتباط بؤر استيطانية قريبة، بينها «إيش كودش»، باعتداءات ومحاولات للسيطرة على الأراضي الزراعية الفلسطينية.
وبالتالي، فإن السيطرة على رأس العين لا تنفصل عن معركة أوسع على الجغرافيا: من يملك الأرض، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يفرض حدود الحركة والسكن فيها.
العامل الأميركي والدولي
دخول واشنطن على خط الأزمة يعكس حساسية القضية. فقد أدان السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي حصار العائلات، وقال إن الجيش والشرطة الإسرائيليين تحركا بناءً على طلب أميركي لإبعاد المستوطنين، بينما تحدثت تقارير عن ضغوط أميركية على الحكومة الإسرائيلية.
كما دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة، مع تحركات لإيصال المساعدات وتقييم الاحتياجات الإنسانية للعائلات المحاصرة.
لكن التدخل الأميركي والأممي لم يؤدِ حتى الآن، إلى إنهاء جذور الأزمة؛ لأنه يتعامل بصورة أساسية مع النتائج الإنسانية والأمنية، بينما يبقى السؤال السياسي المتعلق بالبؤرة الاستيطانية والسيطرة على الأرض قائماً.
تكشف قصرة أن حصار الفلسطينيين يمكن أن يتخذ شكلاً مركباً: اعتداءات من المستوطنين، ثم إغلاق عسكري، ثم تقييد للمساعدات والحركة، ثم تآكل تدريجي لشروط الحياة الطبيعية. ولهذا فإن استمرار الحصار لا يبدو، مجرد نتيجة لعدم حسم مواجهة ميدانية، بل جزءاً من واقع أوسع تتصارع فيه مشاريع السيطرة على الأرض.
ويمكن القول إن المعركة في قصرة ليست فقط على ثلاثة منازل، وإنما على إمكانية بقاء الفلسطينيين في مواقعهم، وعلى مستقبل الأرض الواقعة بين التجمعات الفلسطينية والكتل الاستيطانية.
وهذا وحده تفسير يوضح لماذا استمر الحصار وأن إنهاءه لا يتوقف فقط على السماح بإدخال الماء والغذاء أو فتح طريق مؤقت، بل على وقف الإجراءات التي أنتجت الحصار أصلاً، وضمان بقاء العائلات في منازلها، ومنع تحويل البؤر الاستيطانية الجديدة إلى واقع دائم.
الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS