الثلثاء 8 جمادي الاولي 1448 
qodsna.ir qodsna.ir
بقلم الكاتب الفلسطيني سهيل كيوان

مراسم وداع (الشهيد) خامنئي... رسائل سياسية

جنازة خامنئي لم تكن حدثًا إيرانيًا فحسب، بل كانت مناسبة كشفت أن إيران، رغم العقوبات والحروب والعزلة، عززت كونها لاعبًا إقليميًا ودوليًا يحسب الجميع حسابه...

سهيل كيوان: يقول مراقبون إن جنازة آية الله علي خامنئي واحدة من أكبر الجنازات في التاريخ، حيث شارك في أيام التشييع حوالي 15 مليون إنسان، إضافة إلى أكثر من 100 وفد رسمي من شتى أرجاء العالم. وهي تذكّر بجنازات تاريخية كبيرة، مثل جنازات آية الله الخميني، وجمال عبد الناصر، وجوزيف تيتو، وتشرشل، وجون كينيدي، وستالين، ولينين.

 

لم تكن جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي، التي لم تنتهِ بعد، مجرد مراسم لتشييع زعيم حكم بلدًا كبيرًا وعريقًا حوالي 35 عامًا، بل تحولت إلى حدث سياسي ودبلوماسي حمل رسائل متعددة، داخلية وخارجية، لا تقل أهمية عن حياة الرجل نفسه واستشهاده على يد العدوان الأميركي الإسرائيلي.

 

جاءت المشاركة الواسعة لوفود رسمية وشخصيات سياسية ودينية من عشرات الدول، ولا سيما من دول المنطقة وآسيا وإفريقيا، لتؤكد أن إيران، رغم العقوبات والحصار والحروب والضغوط، ما زالت قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها في معادلات الشرق الأوسط، بل إنها فرضت هيبتها أكثر بعد الحرب الأخيرة، وأظهرت تماسكًا داخليًا وتنظيميًا رغم الضربات القوية التي وُجّهت إلى قادتها ومرافق الحياة فيها، فهي ليست دولة الرجل الواحد، بل بلد قوانين وهيئات راسخة وقادرة على العمل في أشد الظروف وعورة وتعقيدًا.

 

شاركت دول تختلف في علاقاتها مع إيران، وبعضها لا يتفق معها أيديولوجيًا أو سياسيًا، لكنها تدرك أنه في معادلة استقرار المنطقة ومستقبلها لا يمكن تجاوز إيران، وأن الاعتماد على الحماية الأميركية ووضع كل البيض في سلّتها غير مضمون النجاح.

 

يقال إن المسؤولين الإيرانيين اختاروا لكل وفد آية من القرآن الكريم تناسب موقفه السياسي، في رسائل مبطنة لكل وفد من الوفود.

 

السياسة لا تُبنى على العواطف، بل على موازين القوى والمصالح، وحضور هذه الوفود يعكس اعترافًا عمليًا بمكانة إيران الإقليمية، سواء اتفق المشاركون مع سياساتها أم اختلفوا معها. وفي المقابل، غابت دول غربية تدور في فلك أميركا عن المشهد، مثل كندا وبريطانيا وأستراليا وألمانيا، وهو ما يعكس استمرار الانقسام السياسي بين إيران والغرب.

 

ويقول كثيرون إن المشهد الشعبي، وسط تنظيم واسع وحضور جماهيري لافت، كان تعبيرًا عن الوفاء للمرشد الراحل ووحدة البلاد في مواجهة جريمة الاغتيال والعدوان الخارجي، رغم وجود تيارات واسعة تختلف مع النظام وسياساته.

 

أكثر ما لفت الأنظار هو الروح التي ظهر بها المجتمع الإيراني بعد الحرب المدمّرة، فبدلًا من أن يبدو المشهد مشهد انهيار أو تفكك، كما بشّر به نتنياهو، قدمت القيادة الإيرانية صورة لمجتمع متماسك قادر على تحويل الأزمة والخسائر الضخمة إلى مناسبة لإظهار الصمود والاستمرار. وهذا، بحد ذاته، رسالة موجهة إلى الأعداء قبل الأصدقاء، مفادها أن اغتيال القادة لا يعني بالضرورة انهيار الدولة أو تراجع نفوذها.

 

قد يختلف كثيرون مع سياسات خامنئي، بل إن معارضيه داخل إيران وخارجها يحمّلونه مسؤولية أزمات كبيرة عاشتها البلاد والمنطقة، لكن السياسة تقتضي التمييز بين تقييم تجربة الرجل وبين قراءة الدلالات التي حملتها جنازته. فالجنازات الكبرى، عبر التاريخ، لم تكن مجرد وداع للأموات، بل كانت غالبًا استفتاءً على قوة الدولة، واختبارًا لشبكة تحالفاتها، ورسالة إلى العالم عن موقعها في ميزان القوى.

 

لهذا، فإن جنازة خامنئي لم تكن حدثًا إيرانيًا فحسب، بل كانت مناسبة كشفت أن إيران، رغم العقوبات والحروب والعزلة، عززت كونها لاعبًا إقليميًا ودوليًا يحسب الجميع حسابه، وأن أي مشروع لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط سيظل مضطرًا إلى التعامل مع هذا الواقع، سواء أعجب ذلك الآخرين أم لم يعجبهم.

 

في خضم هذا المشهد الجلل، جاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليمنح الجنازة بعدًا سياسيًا إضافيًا، حين قال إنه يتابع مراسم التشييع، وإن بإمكانه القضاء على المجتمعين جميعًا بضربة واحدة، لكنه لن يفعل لأن ذلك سيتركه من دون طرف يتفاوض معه. هذا التصريح، بما يحمله من تهديد واستهانة، يكشف أولًا عن خلل كبير في النظام الذي يوصل شخصية كهذه إلى قيادة أقوى دولة في العالم وإلى مركز القرار فيها، وثانيًا أن الجنازة لم تكن مجرد وداع لزعيم راحل، بل كانت أيضًا لحظة استعراض للقوة والهيبة، ورسالة بأن إيران، حتى وهي تودّع قائدها، ما زالت حاضرة على طاولة الحسابات الكبرى.


| رمز الموضوع: 419042







المستعمل تعليقات

الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
  1. القائد العام للحرس الثوري: تألق المصارعين الإيرانيين على التراب الأمريكي هو تجلٍّ لإرادة الشباب الإيراني وغيرتهم
  2. لافروف يلتقي الرئيس بزشكيان في طهران
  3. العميد محبي: اى عدوان على البنيتة التحتية الايرانية للطاقة سيحوّل الأراضي المحتلة إلى أرضٍ محروقة
  4. "غريب آبادي" يطلب من قمة "سيكا" طرد الكيان الصهيوني
  5. سريع: بالصواريخ البالستية.. استهدفنا "أرامكو" في الظهران والرياض.. ومطار الملك خالد
  6. وفد من حماس يصل القاهرة غدًا لبدء حوار وطني
  7. الأدميرال عظمائي: إذا كان الأمريكيون يعتقدون أن مضيق هرمز مفتوحا فليقتربوا منه
  8. بقائي: مزاعم عودة مضيق هرمز إلى الوضع الطبيعي لا تتطابق مع الواقع الميداني
  9. حماس: تهديدات كاتس باغتيال الحية لن تزيدنا وقادتنا إلا إصرارًا على مواقفنا الوطنية
  10. رضائي: قوى أكبر من أمريكا حاولت غزو إيران لكنها انتهت في نهاية المطاف إلى مزبلة التاريخ
  11. ممثل حركة الجهاد الإسلامي في طهران: طوفان الأقصى شكّل زلزالاً شديداً لا يمكن ترميم آثاره على الكيان الصهيوني
  12. قاليباف لـ "روبيو": ستركعون أمام الإيرانيين
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)