الاثنين 20 جمادي الثانية 1443 
qodsna.ir qodsna.ir

"أنابولیس" و الحکومة الصهیونیة.. الأمن أولاً

 

استأثر الشرخ المهیمن منذ أسابیع على العلاقات بین رئیس الحکومة الإسرائیلیة زعیم حزب "کدیما" ایهود اولمرت ووزیر دفاعه زعیم حزب "العمل" ایهود باراک باهتمام لافت لوسائل الإعلام العبریة أمس. ورغم أن الخلاف بین قطبی الحکومة الأبرز تناول فی ظاهره أساساً سعی کل منهما إلى إحکام سیطرته على المؤسسة الأمنیة، لإدراکه أن من شأن هذه السیطرة أن ترفع أسهمه لدى الإسرائیلیین الذین "یقدّسون" هذه المؤسسة، إلاّ أن أحداً من المراقبین لا ینفی أن أحد جذور الخلاف یعود إلى التباین فی موقف کل من الرجلین من المفاوضات مع الفلسطینیین ومن مؤتمر أنابولیس بعد أن تبادلا الأدوار وغدا رئیس الحکومة الیمینی المنشأ "الشخصیة المعتدلة" بینما زعیم "العمل" المحسوب على تیار الوسط ویساره "یمینیاً متشدداً" یلوّح بسجله العسکری المزخرف بالنیاشین لیبرر معارضته التفاوض مع الفلسطینیین بحجج کثیرة یضع فی مقدمها "أمن إسرائیل" ثم الادعاء بأن القیادة الفلسطینیة لیست معنیة حقاً بالسلام مع إسرائیل لرفضها الاعتراف بها "دولة یهودیة"، مبرزاً حقیقة أنه "اکتوى شخصیاً بنار التفاوض" فی مفاوضات کامب دیفید عام 2000 .

لکن قبل الخوض فی تفصیلات التباین الذی لا یمکن توصیفه بالجوهری بین مواقف اولمرت وباراک وسائر مواقف أرکان الحکومة الإسرائیلیة الأبرز، لا بد من الإشارة إلى أن ثمة توافقاً واسعاً یکاد یکون تاماً بین مرکّبات الائتلاف الحکومی فی عدد من الأمور الجوهریة المتعلقة بالمؤتمر الدولی فی أنابولیس، وهو توافق ینذر بفشل المؤتمر فی تحقیق "انعطافة تاریخیة" فی الصراع الفلسطینی - الإسرائیلی، وذلک حیال الشروط التی تکاد لا تحصى والتی یطالَب الفلسطینیون بتنفیذها قبل التقدم بخطوات حقیقیة نحو مفاوضات للتسویة الدائمة.

ویمکن القول إن أقطاب الائتلاف الحالی الرئیسیین وهم خمسة، اولمرت وباراک ووزیرة الخارجیة تسیبی لیفنی وزعیم حرکة "شاس" الدینیة ایلی یشای وزعیم حزب "إسرائیل بیتنا" أفیغدور لیبرمان، یلتقون فی المسائل التالیة:

- یجب أن یحقق أی اتفاق فی المستقبل الأمن لإسرائیل أولاً.

- اعتماد کامل على خریطة الطریق (والتحفظات الـ14 التی أضافتها إسرائیل علیها) والاشتراط على الفلسطینیین تنفیذ استحقاقاتهم الواردة فی المرحلة الأولى، ویعنون أساساً قیام السلطة الفلسطینیة بتفکیک الفصائل المسلحة (فی الوقت ذاته یعلنون بناءً لتقاریر المخابرات أن قیادة السلطة الفلسطینیة غیر قادرة على تنفیذ ما هو أبسط من تجرید الفصائل من سلاحها).

- رفض اختتام المؤتمر بـ"وثیقة مبادئ" تتعلق بقضایا الصراع الجوهریة وهی القدس واللاجئون والحدود، ورفض الخوض فی هذه القضایا فی المؤتمر الوشیک.

- عدم تحدید جدول زمنی لإجراء مفاوضات بعد مؤتمر أنابولیس.

- أن یکون "البیان المشترک" عمومیاً جداً.

- مشارکة الدول العربیة مهمة لإسرائیل، لکن المفاوضات تبقى ثنائیة بین إسرائیل والسلطة الفلسطینیة.

فی ما یلی استعراض سریع لمواقف الأقطاب الخمسة:

أولمرت: ضعف مغلف بالاعتدال والوعود

فی الظاهر یبدو أولمرت الأکثر اعتدالاً، وهو الذی عمد فی مناسبات عدة إلى توزیع وعود من دون التزام عبر کلام معسول عن "وجوب تخلی الإسرائیلیین عن بعض أحلامهم" التوسعیة، ثم التساؤل عن "الحاجة إلى القرى الفلسطینیة المحیطة بالقدس" المحتلة التی تخل بالتوازن الدیموغرافی فی "العاصمة"، وتأکید أهمیة التفاوض مع القیادة الفلسطینیة الحالیة المعتدلة والبراغماتیة "لأن البدیل سیکون قیادة من المتطرفین من حرکة حماس". لکن شروط اولمرت من الفلسطینیین لا تختلف جوهریاً عن تلک التی یطرحها "الأکثر تشدداً" لجهة وجوب "التزام هیکلیة خریطة الطریق" الدولیة، ثم استدراکه أن الوقت لم ینضج بعد لتحقیق السلام، وأنه واعِ "لضعف القیادة الفلسطینیة الحالیة".

ویؤکد اولمرت باستمرار أن "لقاء أنابولیس" یجب أن یشکل "خشبة القفز" نحو العملیة السیاسیة لا منصة للتفاوض فی القضایا الجوهریة. أما حدیثه الذی قد یتکرر فی انابولیس، عن رغبته فی إنهاء المفاوضات حتى موعد أقصاه مطلع العام 2009 مع انتهاء ولایة الرئیس جورج بوش، فیرى فیه مراقبون مجرد کلام، لافتین أساساً إلى مکانته المهزوزة داخل إسرائیل فی أعقاب فشل الحرب على لبنان وافتقاره إلى کاریزما زعیم قادر فعلاً على إقناع الإسرائیلیین بتقدیم تنازلات فی مسائل تحظى بإجماع صهیونی.

لیفنی: رفض لحق العودة وتمسک بخریطة الطریق وإنهاء الصراع

لم ینم تعیین اولمرت وزیرة خارجیته لقیادة الطاقم الإسرائیلی المفاوض عن إعجاب مفرط بها بقدر إدراکه المکانة المتمیزة التی تحظى بها داخل حزبه "کدیما" ولدى عموم الإسرائیلیین، بل اراد عملیاً من تعیینها احتواء تمرد داخل الحزب ضد مشروعه التفاوضی مع الفلسطینیین، فمنحها منصب المفاوض الأول، ومن موقعها هذا شرعت لیفنی فی الضغط على الفلسطینیین لتضمین "البیان المشترک" نصاً واضحاً یقضی باعتماد أی مفاوضات مع الفلسطینیین تنفیذهم المرحلة الأولى من "خریطة الطریق"، حتى أعلنت أنها توصلت إلى اتفاق بهذا الصدد مع نظیرها الفلسطینی أحمد قریع (أبو علاء).

وتتمسک لیفنی بعدد من اللاءات الإسرائیلیة، فی مقدمها رفض قاطع لطرح قضیة اللاجئین الفلسطینیین على بساط البحث، إذ ترى فی إقامة الدولة الفلسطینیة "تطبیقاً لحق عودة اللاجئین"، وأعلنت فی أکثر من مناسبة أن إسرائیل لن تسمح حتى بعودة لاجئ واحد. وتطالب لیفنی بأن یتضمن أی اتفاق مع الفلسطینیین إعلاناً بإنهاء الصراع ونهایة أی مطالب متبادلة فی المستقبل.

باراک: أعاد بقوة هاجس الأمن لإسرائیل

مدرکاً تقدیر الإسرائیلیین لخبرته العسکریة، اعاد باراک بقوة "هاجس الأمن" فاتّهم رئیس حکومته بالتسرع بقبوله مشارکة إسرائیل فی عملیة سیاسیة "لیس معروفاً اتجاهها وقد تنتهی إلى انحناء إسرائیلی أمام مطالب دولیة"، مبرراً عدم جواز التفاوض حالیاً بعدم جهوزیة الفلسطینیین ذهنیاً للتوصل لاتفاق ورفضهم الاعتراف بإسرائیل دولة یهودیة، ثم أنه لا یجدر بإسرائیل دخول مفاوضات للتسویة الدائمة قبل أن تکون لدیها منظمات صاروخیة لاعتراض القذائف قصیرة المدى، وأن مثل هذه المنظومات لن تتوافر قبل 3-5 سنوات.

ویرید باراک التوصل مع الأمیرکیین إلى اتفاق یتضمن التزامات واضحة أو خطوطاً حمراً کما یسمیها: الإعلان فی أی اتفاق عن إنهاء الصراع، وأن تکون الدولة الفلسطینیة منزوعة السلاح براً وجواً، وإبقاء منشآت عسکریة إسرائیلیة فی الضفة الغربیة، وعدم إعفاء رئیس السلطة الفلسطینیة من مسؤولیته عن "الإرهاب" فی قطاع غزة، وضم الکتل الاستیطانیة الکبرى غرب الضفة الغربیة وفی محیط مدینة القدس إلى تخوم إسرائیل، وطبعاً إخضاع أی اتفاق لخریطة الطریق الدولیة.

یشای: طرح القضایا الجوهریة سیسقط الحکومة

تعتبر الحرکة الدینیة المتزمتة رکناً أساسیاً فی الائتلاف الحکومی یولی اولمرت مواقفها شأناً خاصاً للحفاظ على کرسیه. وتحتکم هذه الحرکة إلى زعیمها الروحی الحاخام عوفادیا یوسف الذی ینقل تعلیماته إلى زعیم الحرکة السیاسی الوزیر ایلی یشای. ویؤید الأخیر الحوار لکن "من دون أی التزام" یحذر الأخیر من أن تطرق المؤتمر الدولی إلى قضایا الصراع الجوهریة، وفی مقدمها القدس، سیفرط عقد الائتلاف الحکومی، داعیاً إلى حصر أعمال المؤتمر فی النواحی الاقتصادیة وسبل دعم الاقتصاد الفلسطینی.

لکن تاریخ هذه الحرکة حافل بالتقلبات فی المواقف وتلجأ عادة إلى "فتوى" الحاخام یوسف بأن "حیاة الانسان أهم من الأرض" حین ترید تبریر دعمها انسحابات إسرائیلیة من أراض فلسطینیة محتلة. لکن موقفها یُحسم عادة طبقاً لحجم "الرشوة" التی تتلقاها من الموازنات الحکومیة لمؤسساتها الدینیة. ومع ذلک، یتوقع مراقبون أن تنسحب الحرکة من الحکومة فی حال تمخض مؤتمر أنابولیس عن تنازلات إسرائیلیة.

لیبرمان: "خطوط حمر" فی القدس والعودة وتأیید للتبادل السکانی

أکثر الوزراء تطرفاً. دخل الائتلاف الحکومی لتوفیر موازنات للمهاجرین الجدد من دول الاتحاد السوفیاتی السابق الذین یمثلهم فی الکنیست مع عشرة نواب آخرین. یحمل أفکاراً معادیة وعنصریة ضد الفلسطینیین وقادتهم على جانبی "الخط الأخضر"، ویبرر بقاءه فی الائتلاف رغم "مؤتمر أنابولیس" بالقول إن المؤتمر لیس سوى "مسرحیة" لن تأتی بأی جدید، ومع ذلک، قدم لأولمرت وثیقة "الخطوط الحمر" ضمنّها لاءات کثیرة ومواقف متصلبة وطالبه أول من أمس بإقرار "البیان المشترک" فی الحکومة قبل انعقاد المؤتمر.

ویتبنى لیبرمان مشروع التبادل السکانی بین فلسطینیی أطراف القدس المحتلة ووادی عارة داخل "الخط الأخضر" وبین الکتل الاستیطانیة الکبرى شمال الضفة الغربیة وفی القدس "لضمان غالبیة یهودیة کبیرة فی إسرائیل". وتؤکد وثیقته رفض التنازل عن البلدة القدیمة فی القدس أو فی مسألة عودة اللاجئین الفلسطینیین الى مناطقهم فی إسرائیل.

ن/25

 


| رمز الموضوع: 139309







الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)