"مجزرة القرن الـ21".. ثلاثة أعوام على محرقة مستشفى المعمداني والدم لا يزال شاهداً على نازية الاحتلال
يصادف اليوم، السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، الذكرى السنوية الثالثة لـ"مجزرة مستشفى المعمداني" المروعة، التي اقترفها سلاح الجو التابع لجيش الاحتلال في المربع الصحي لمدينة غزة.
تعد هذه الجريمة النكراء النقطة الأكثر دموية ووحشية في تاريخ الحروب الحديثة، إذ قصف طيران العدو ساحات المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) بحي الزيتون جنوب مدينة غزة، محولاً أجساد مئات النازحين والمرضى إلى أشلاء متناثرة ومحترقة.
وتأتي الذكرى الثالثة لمجزرة القرن والحرب الوجودية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة لم تتوقف للحظة واحدة، لتعيد إلى الأذهان تلك الليلة الحزينة التي اهتزت لها عواشز الأرض وتزلزلت فيها أركان الضمير العالمي المفضوح، ففي تمام الساعة السادسة وتسع وخمسين دقيقة من مساء السابع عشر من أكتوبر لعام 2023، أمطرت طائرات الغدر الصهيونية ساحة المستشفى العتيق بقنبلة موجهة ذات قدرة تدميرية هائلة وصهرية، كانت كفيلة بإحراق الحجر والبشر وإبادة عائلات بأكملها شُطبت تماماً من السجل المدني الفلسطيني.
تلك اللحظة لم تكن مجرد حدث عابر في شريط الأحداث، بل دشن الاحتلال بها مرحلة جديدة من الإبادة الجماعية العلنية مستهدفاً الملاذ الآمن الأخير للمدنيين العزل.
إن المستشفى المعمداني الذي تأسس عام 1882 على يد الكنيسة الأسقفية الأنجليكانية، صمد على مر العقود كأحد أقدم المنارات الطبية والإنسانية التي تقدم الرعاية الصحية لأبناء شعبنا في قطاع غزة.
وتحول هذا الصرح الإنساني العريق، الذي نجا من الحروب العالمية المتلاحقة ومن حملات الاستعمار، إلى بركة من الدماء الممزوجة بألعاب الأطفال المحترقة وكتب المدارس وأغطية الفراش المهترئة.
لقد تعمد العدو الصهيوني ضرب هذا الرمز التاريخي ليرسل رسالة إرهاب واضحة مفادها أنه لا يوجد شبر واحد آمن في قطاع غزة، وأن حتى الكنائس والمؤسسات الدولية الشريكة لن تحمي الفلسطيني من مقصلة الموت الصهيونية.
وتأتي هذه الذكرى الأليمة اليوم لتسلط الضوء على استمرار العقيدة الصهيونية القائمة على التدمير والإبادة؛ فالأمر لم ينته عند حدود مجزرة أكتوبر 2023. بل واصل الاحتلال قصفه وحصاره للمستشفى في محطات متعددة خلال الأعوام اللاحقة، كان أبرزها القصف الجوي المباشر للمستشفى في نيسان/ أبريل 2025 الذي دمر قسم الطوارئ والاستقبال وأخرجه تماماً عن الخدمة، تلاه استهداف المسيرات للمواطنين بساحاته في آب 2025.
هذه السلسلة المتواصلة من الجرائم تثبت أن استهداف المنظومة الصحية في غزة هو قرار استراتيجي صهيوني لإعدام الحياة البشرية في القطاع، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية والقانونية لوقف هذه المحرقة المستمرة.
تفاصيل ليلة الجحيم..
في الأيام الأولى لمعركة "طوفان الأقصى"، دفع القصف الصهيوني العنيف والأحزمة النارية الآلاف من العائلات الفلسطينية إلى النزوح من منازلها في أحياء الشجاعية والزيتون والتفاح متوجهين صوب ساحات المستشفى المعمداني،حيث ظن الأهالي أن حرمة المستشفى والجهة الدولية التي تديره (الكنيسة الأنجليكانية) ستوفر لهم ولأطفالهم الأمان من صواريخ الموت الصهيونية.
امتلأت الساحة الخارجية للمستشفى بالعائلات التي افترشت الأرض، وكان الأطفال يلعبون في باحات المشفى هرباً من أجواء الرعب والدمار المحيطة بهم، وفي لحظة واحدة وبدون سابق إنذار، نفذت طائرات الاحتلال غارتها الغادرة بأسلحة أمريكية فائقة الدقة والتدمير.
وصف شهود عيان وطواقم طبية نجت من المجزرة المشهد بأنه "قطعة من الجحيم"؛ حيث اندلعت النيران في مركبات الإسعاف وسيارات المواطنين واشتعلت النيران في أجساد النازحين، وتحولت الأجساد الغضة للأطفال والنساء إلى قطع متناثرة تلاشت معالمها، وتطايرت الأشلاء لتلتصق بجدران وأسطح مباني المستشفى في مشهد تدمى له القلوب الإنسانية.
حصيلة مرعبة..
أسفرت هذه الغارة الصهيونية الوحشية عن حصيلة مرعبة من الشهداء والجرحى، حيث وثقت وزارة الصحة الفلسطينية المعطيات الرقمية الصادمة التاليةـ حيث ارتقى أكثر من 500 شهيد في باحات المستشفى، معظمهم قطع من الأشلاء المتفحمة التي صعب التعرف على هويتها.
وأشارت التقارير الطبية إلى أن أكثر من 70% من الضحايا هم من الأطفال والنساء والمسنين الذين نزحوا للمستشفى.
كما أصيب أكثر من 600 مواطن بجروح متفاوتة، عانى أغلبهم من حروق بالغة وبتر في الأطراف نتيجة الشظايا القاتلة والمواد الحارقة المستخدمة في القنبلة.
وجاء المؤتمر الصحفي الشهير الذي عقده المتحدث باسم وزارة الصحة من فوق تلال من جثث وأشلاء الشهداء من داخل باحة المستشفى المعمداني ليعكس حجم المأساة والكارثة التي حلت بالمنظومة الطبية والوطنية في قطاع غزة.
محاولات التضليل وسقوط الرواية الكاذبة..
فور وقوع المجزرة الكبرى وظهور حجم البشاعة للعالم، ارتبكت المكنة الإعلامية والسياسية للاحتلال الصهيوني، وحاولت التنصل من المسؤولية عبر فبركة رواية كاذبة تدعي أن الانفجار ناجم عن "صاروخ فاشل" أطلقته المقاومة الفلسطينية.
إلا أن التحقيقات المستقلة والهندسة الجنائية للموقع دحضت الرواية الصهيونية تماماً؛ حيث أكدت المؤشرات الميدانية التالية تورط جيش الاحتلال بشكل مباشر، حيث تلقت إدارة المستشفى المعمداني اتصالات وتهديدات صريحة ومباشرة من مخابرات جيش الاحتلال الصهيوني تطالبهم بإخلاء المستشفى فوراً تمهيداً لقصفه.
كما أن الصوت وحجم الانفجار الهائل والآثار النارية والصهرية التدميرية تتطابق تماماً مع القنابل الموجهة من طراز (JDAM) الأمريكية التي يمتلكها سلاح الجو الصهيوني حصرياً في هذه المواجهة، إضافة إلى أن قيام الاحتلال بإعادة قصف واستهداف المستشفى بشكل علني ومباشر لمرات عديدة في عام 2025 دمر الرواية السابقة كلياً، وأثبت للعالم أن المشافي الفلسطينية هي أهداف عسكرية مشروعة وثابتة في العقيدة العسكرية الصهيونية.
ردود الفعل الدولية المتواطئة والانتفاضة الشعبية..
أثارت المجزرة موجة غضب عارمة واحتجاجات شعبية واسعة اجتاحت العواصم العربية والإسلامية والعالمية؛ وخرجت الجماهير الغاضبة لتطويق سفارات الاحتلال والولايات المتحدة تنديداً بالمحرقة.
وعلى الصعيد السياسي، أدت الجريمة الصهيونية إلى إلغاء القمة الرباعية التي كانت مقررة في الأردن بحضور الرئيس الأمريكي جو بايدن، كما أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس الحداد العام لثلاثة أيام وتنكيل الأعلام تنديداً بمجزرة القرن.
ومع ذلك، بقي الموقف الدولي الرسمي والدول الغربية في مربع التواطؤ المخزي، حيث تساوقت بعض القوى الاستعمارية مع الرواية الصهيونية المضللة لتبرير استمرار تدفق الأسلحة والذخائر للكيان ليرتكب بها مئات المجازر اللاحقة ضد المدارس ومراكز النزوح في قطاع غزة المحاصر.
دماء المعمداني لعنة تلاحق القتلة..
تمر ثلاثة أعوام على محرقة مستشفى المعمداني، ولا تزال دماء الشهداء الأبرار تنادي بالقصاص العادل من القتلة ومجرمي الحرب الصهاينة، ليأتي التأكيد في هذه الذكرى الأليمة أن المجزرة ستبقى وصمة عار لا تمحى على جبين المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية الحقوقية التي صمتت ولا تزال تصمت عن إبادة شعبنا الفلسطيني وتدمير مقومات حياته الإنسانية والطبية.
إن الإرث الإنساني للمستشفى المعمداني ودماء مئات الأطفال والنساء التي سالت في باحاته ستبقى حية في الوجدان الفلسطيني والعالمي، ولن ينجح الحصار ولا القصف المتكرر في كسر إرادة الصمود والتجذر في الأرض، وستبقى أرواح شهداء المعمداني منارة تضيء طريق الحرية والتحرير، ولعنة تطارد الاحتلال الفاشي وقادته الجزارين حتى يندحروا صاغرين عن أرضنا ومقدساتنا.