قصفٌ مع تقديرات مسبقة بسقوط مئات الشهداء
شهادات لجنود الاحتلال تكشف توسيع استهداف المدنيين في غزة
قبل تنفيذ الغارة التي استهدفت مربعًا سكنيًا في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت لدى الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" تقديرات بأن القصف قد يؤدي إلى استشهاد ما بين 250 و300 مدني.
ومع ذلك، اتُّخذ قرار بتدمير المباني فوق نفق اعتقد جيش الاحتلال أن قائدًا في كتائب القسام، إبراهيم البياري، يوجد داخله، من دون إخلاء السكان الذين كانوا في منازلهم. وتكشف هذه الواقعة، التي وردت في شهادات أربعة جنود من شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، جانبًا من القرارات التي حكمت عمليات القصف في قطاع غزة منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما في ذلك استخدام القنابل الثقيلة ضد مبانٍ مأهولة، وتوسيع هامش الخسائر المدنية المقبولة، ومنح الوحدات العسكرية صلاحيات لاستهداف أشخاص مع توقع سقوط مدنيين لم يكونوا هم المقصودين بالهجوم. ونشرت صحيفة «هآرتس» العبرية هذه الشهادات، التي تتناول آليات تحديد الأهداف والتعامل مع الخسائر البشرية المتوقعة، وتثير تساؤلات بشأن مدى التزام جيش الاحتلال بادعاءاته المتكررة حول اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين الفلسطينيين، وإصدار تحذيرات مسبقة قبل قصف المناطق السكنية. تقديرات مسبقة بالخسائر وتقدم تفاصيل الهجوم على مخيم جباليا مثالًا على كيفية التعامل مع أعداد المدنيين المتوقع استشهادهم قبل تنفيذ الضربة. فبحسب شهادة الجندي الذي عُرّف بالرمز «د»، كان جيش الاحتلال يعتقد أن إبراهيم البياري يوجد داخل نفق أسفل مبانٍ سكنية كبيرة، لكنه لم يكن قد حدد المبنى الذي يوجد تحته الهدف بصورة دقيقة. وبدلًا من تحديد المبنى المقصود وحصر الهجوم في نطاقه، اتُّخذ قرار بهدم المربع السكني فوق النفق المفترض، رغم وجود سكان في المباني المستهدفة. ووفق الشهادة، لم تُنفذ عملية إخلاء للسكان، خشية أن يؤدي ذلك إلى تمكين الهدف من الفرار. ولم تكن الخسائر المدنية المحتملة مجهولة لدى الجهة التي خططت للهجوم؛ إذ قدرت الاستخبارات الإسرائيلية مسبقًا أن الغارة قد تؤدي إلى مقتل ما بين 250 و300 مدني. وبسبب ارتفاع العدد المتوقع، رُفع القرار إلى رئيس أركان جيش الاحتلال للحصول على موافقته، قبل أن يُعطى الضوء الأخضر لتنفيذ الهجوم، وفق ما أورده التقرير. وتكشف هذه التفاصيل أن حجم الخسائر البشرية المحتملة كان حاضرًا في تقديرات ما قبل الهجوم، وأن القرار استمر رغم تلك التقديرات. كما تبرز الفارق بين معرفة الجيش بوجود مدنيين في المباني، وبين الإجراءات التي اتخذها فعليًا لحمايتهم، خصوصًا في ظل غياب الإخلاء. وقال الجندي «أ»، الذي تحدث عن الواقعة، إنه شعر بالذهول عندما شاهد مباني مكتظة بالسكان تُسوّى بالأرض ويسقط مئات الضحايا فيها، من أجل استهداف شخص لم يكن، بحسب وصفه، يُنظر إلى هدفه باعتباره ذا أهمية استراتيجية كبيرة قبل أسابيع قليلة. ولا تقف دلالة الشهادة عند حجم الدمار الذي خلفته الغارة، بل تمتد إلى الطريقة التي قُيّمت بها قيمة الهدف العسكري مقارنة بالخسائر المتوقعة بين المدنيين، وإلى مدى التغير الذي طرأ على المعايير التي كانت تحكم اتخاذ قرارات الاستهداف. ملاحقة القيادات وفي شهادته عن تطور سياسة الاستهداف، قال الجندي «أ» إن جيش الاحتلال بدأ بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 العمل من «الصفر» في ملاحقة قادة حماس، في سياق أعاد فيه بناء قوائم الأهداف وآليات تحديد الأشخاص الذين يمكن استهدافهم. وبحسب الشهادة، رافق ذلك تغير في تعريف «الإرهابي» واتساع في التعامل مع الخسائر المدنية باعتبارها أضرارًا جانبية يمكن قبولها للوصول إلى أهداف عسكرية، حتى عندما لا تكون تلك الأهداف ذات قيمة استراتيجية مرتفعة. وتشير الإفادات إلى أن التغيير لم يقتصر على نوعية الأهداف التي اختارها جيش الاحتلال، وإنما شمل أيضًا القيود المرتبطة باستخدام الأسلحة الثقيلة وحسابات التناسب بين المكاسب العسكرية المتوقعة والأضرار التي قد تلحق بالمدنيين. ووفق التقرير، شهدت هذه المعايير تخفيفًا ملحوظًا منذ بداية الحرب، بما أتاح تنفيذ هجمات مع توقع سقوط أعداد كبيرة من الفلسطينيين الذين لا يستهدفهم الجيش مباشرة. وتتعارض هذه الإفادات مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن الحرص على تجنب إصابة المدنيين، إذ تتحدث عن حالات كان فيها احتمال سقوط أعداد كبيرة منهم معروفًا قبل الهجوم، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إلغائه أو تغيير نطاقه. وفي شهادة أخرى، تحدث الجندي «ب»، الذي عمل في قسم الطائرات المسيّرة، عن الصلاحيات الممنوحة لفرق الهجوم، مشيرًا إلى أنها كانت تستطيع تنفيذ عمليات قد تؤدي إلى مقتل ما يصل إلى 20 مدنيًا من دون الحاجة إلى موافقة كبار المسؤولين. وتكشف هذه الشهادة عن مستوى الصلاحيات المتاحة للوحدات المنفذة للهجمات، وعن الكيفية التي أُدرجت بها الخسائر المدنية المحتملة ضمن قرارات الاستهداف اليومية. كما تطرح تساؤلات بشأن طبيعة المراجعة التي كانت تُجرى قبل تنفيذ الضربات، ومدى وجود قيود فعلية تحول دون تعريض المدنيين لخطر القتل. تهميد الدخول البري وفي سياق الاجتياح البري، تحدث الجندي «ج» عن توجيه الوحدات العسكرية إلى قصف أبراج سكنية بهدف تمهيد مناطق دخول القوات وتسهيل تقدمها، رغم وجود معلومات تفيد بأن نحو 25% من سكان تلك المباني ما زالوا بداخلها. وبحسب الشهادة، عندما طُرحت تساؤلات بشأن مصير السكان الذين لم يغادروا الأبراج، جاء الرد بأنهم أصبحوا «أهدافًا للقوات على الأرض». وتكشف هذه الإفادة عن التعامل مع وجود السكان في المباني المستهدفة بوصفه جزءًا من حسابات العمليات البرية، بدلًا من اعتباره سببًا يدفع إلى وقف القصف أو اتخاذ إجراءات إضافية لحمايتهم. وتربط الشهادات بين هذه الممارسات وبين أولوية تأمين الجنود وتسهيل حركتهم خلال العمليات العسكرية، حتى عندما يتطلب ذلك قصف مبانٍ مأهولة وتعريض عائلات فلسطينية بأكملها لخطر الموت تحت الأنقاض. عائلة علي قاضي.. ضحايا خارج الهدف المباشر وتتضمن الإفادات واقعة أخرى مرتبطة بمحاولة اغتيال علي القاضي، إذ أشار التقرير إلى أن النيران الكثيفة التي استُخدمت خلال الهجوم أدت إلى مقتل أفراد عائلته، بينما نجا هو من الضربة. وتضيف هذه الواقعة بُعدًا آخر إلى الشهادات، إذ توضح أن استهداف شخص بعينه قد يمتد أثره إلى المحيط العائلي والمدني الموجود في المكان، وأن الخسائر لا تقتصر بالضرورة على الشخص الذي يضعه جيش الاحتلال ضمن قائمة أهدافه. وتأتي هذه الحادثة إلى جانب شهادة جباليا، التي تحدثت عن تقديرات مسبقة بسقوط مئات المدنيين، وشهادة الأبراج السكنية التي بقي ربع سكانها داخلها، لتسلط مجتمعة الضوء على حجم المخاطر التي تعرض لها الفلسطينيون خلال الهجمات الإسرائيلية، وعلى القرارات التي سبقت تنفيذها. من جانبه، انتقد نداف فايمان، رئيس منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية، الممارسات التي كشفتها الشهادات، معتبرًا أنه لا يمكن تبرير استشهاد 300 مدني في عملية تستهدف قائد كتيبة واحدًا. وقال فايمان إن الادعاءات الإسرائيلية بشأن بذل الجهود لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين تتناقض مع الوقائع التي تكشفها إفادات الجنود، والتي تتحدث عن معرفة مسبقة بحجم الخسائر المحتملة والمضي في تنفيذ الهجمات رغم ذلك. وتنقل المادة عن أحد الجنود قوله: «كان واضحًا لنا أن عدد غير المستهدفين الذين سيتعرضون للأذى مرتفع للغاية، ومع ذلك صدرت الأوامر بالتنفيذ». وتكتسب هذه الإفادات أهميتها من صدورها عن جنود عملوا ضمن المنظومة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، وتناولها تفاصيل تتعلق بتقدير الأضرار قبل الهجوم، وتحديد الأهداف، والصلاحيات الممنوحة للفرق المنفذة، وطبيعة القرارات التي اتُّخذت رغم توقع سقوط ضحايا مدنيين. مساءلة دولية وتأتي هذه الشهادات في وقت تتواصل فيه المساءلة الدولية بشأن الحرب على قطاع غزة، وما شهدته من قتل واسع للمدنيين ودمار طال المنازل والمنشآت والبنية التحتية. ويمكن أن تسهم الإفادات، إلى جانب الأدلة الأخرى، في فحص كيفية اتخاذ القرارات العسكرية، ومدى معرفة القيادات بحجم الأضرار المدنية المحتملة، والمسؤولية عن الهجمات التي نُفذت رغم تلك التقديرات. وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الجيش السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولا تعني الشهادات وحدها حسم المسؤولية الجنائية عن كل هجوم، لكنها تثير أسئلة جوهرية بشأن القرارات التي سبقت بعض العمليات، ومدى مراعاة حماية المدنيين في التخطيط والتنفيذ. كما أوردت المادة الأصلية تقديرات بشأن حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية في قطاع غزة، مشيرة إلى أن نسبته بلغت نحو 90%، في سياق حرب طالت مختلف مقومات الحياة في القطاع وألحقت أضرارًا واسعة بالسكان ومساكنهم ومرافقهم الأساسية. وتعيد إفادات الجنود الأربعة تسليط الضوء على جانب من الحرب لا يتعلق فقط بنتائج القصف بعد وقوعه، بل بما كان معروفًا قبل تنفيذه: مبانٍ مأهولة، ومدنيون يُتوقع سقوطهم، وتقديرات تصل إلى مئات الضحايا، ثم قرارات بالمضي في الهجوم. وهي تفاصيل تضع الرواية الإسرائيلية بشأن حماية المدنيين أمام اختبار الوقائع التي يرويها أفراد من داخل.
المصدر : شهاب - وكالات