أستاذ قانون دولي لـ"شهاب": هذه أدوات محاسبة الاحتلال على تحويل غزة إلى "سجن كبير"
قال أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، د. رائد أبو بدوية، إن تحويل الاحتلال قطاع غزة إلى سجن كبير والتحكم في حياة نحو مليوني فلسطيني يعيشون كارثة إنسانية قاسية، ليس قضية إنسانية فقط، بل قضية قانونية أيضًا.
وأوضح، في حديث خاص لوكالة شهاب، أن ما يجري لا يتعلق فقط بكارثة إنسانية تحتاج إلى مزيد من المساعدات، بل إن المسألة أبعد من ذلك، إذ يعيش الفلسطينيون تحت قيود قاسية تمس حركتهم وقدرتهم على الوصول إلى أبسط احتياجاتهم، في وقت تملك فيه "إسرائيل" قدرة واسعة على التحكم في المعابر وحركة الأشخاص والبضائع ووصول الغذاء والدواء والوقود. وأضاف، أن الحديث عن محاسبة الاحتلال يجب أن يبدأ من أن ما يحدث بغزة قضية قانونية أيضًا، مبينًا أن هناك قواعد واضحة في القانون الدولي الإنساني لحماية المدنيين، والتزامات ترتبط بالاحتلال وبمدى السيطرة الفعلية، وحظرًا للعقاب الجماعي وتجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب والتهجير القسري، إلى جانب قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي ومسؤولية الدول. وتابع أبو بدوية أننا لا نفتقر إلى أدوات قانونية للمساءلة، موضحًا أن هناك محكمة العدل الدولية عندما يتعلق الأمر بالتزامات الدول ومسؤولياتها، والمحكمة الجنائية الدولية عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية الجنائية للأفراد عن الجرائم التي تدخل في اختصاصها، إلى جانب المحاكم الوطنية التي تسمح قوانين بعض الدول لها بالنظر في جرائم دولية خطيرة، فضلًا عن آليات الأمم المتحدة للتحقيق والتوثيق والمساءلة. وأشار إلى أن المشكلة ليست في غياب القانون أو الآليات، وإنما تبدأ عند الوصول إلى التنفيذ، مضيفًا أن القانون يستطيع أن يحدد الالتزامات والمسؤوليات، والمحاكم تستطيع أن تحقق وأن تصدر أحكامًا وأوامر ومذكرات توقيف ضمن اختصاصها، لكنها لا تعمل بمعزل عن الدول، وهنا تدخل الإرادة السياسية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تحويل القانون من قرارات وأحكام إلى أثر حقيقي على الأرض. ولفت إلى أن الدول تملك أدوات كثيرة يمكن أن ترفد بها المسار القانوني، منها مراجعة صادرات السلاح والتعاون العسكري، وفرض عقوبات موجهة وقيود على السفر أو تجميد أصول أشخاص وجهات محددة، ومراجعة بعض الاتفاقيات والامتيازات والعلاقات التجارية والاستثمارية، واستخدام علاقاتها الدبلوماسية وتحركها داخل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية للدفع نحو احترام القانون الدولي. وبيّن أن هذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أدوات ضغط سياسي منفصلة عن القانون، مشيرًا إلى أنه في بعض الحالات قد تكون جزءًا من الطريقة التي تفي بها الدول بالتزاماتها القانونية، ومنها عدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمرارها، وهي مبادئ أكدت عليها محكمة العدل الدولية في سياق الأرض الفلسطينية المحتلة. وذكر أن القانون الدولي يحدد القواعد والمسؤوليات، لكن الدول تملك جزءًا مهمًا من أدوات التنفيذ، مضيفًا أنه إذا كانت هناك أحكام وقرارات وتحقيقات دولية من دون استعداد سياسي للتعامل مع نتائجها، سيبقى أثرها محدودًا مهما كانت أهميتها القانونية. وأكد أن المشكلة الأساسية في الحالة الفلسطينية تتمثل في الفجوة بين ما يقوله القانون وما تفعله الدول لتنفيذه، مشددًا على أن السؤال اليوم ليس فقط ما الأدوات القانونية المتاحة لمحاسبة "إسرائيل"، بل ما إذا كانت توجد إرادة سياسية لدى الدول لاستخدام ما تملكه من أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية حتى يصبح للقانون الدولي أثر فعلي. وأردف أن المسألة لا تتعلق باستبدال عقاب جماعي بعقاب جماعي آخر، وإنما بمساءلة السياسات والقرارات والأشخاص والجهات المسؤولة عن الانتهاكات، وحماية المدنيين ومنع تكرار ما حدث، لافتًا إلى أن الاختبار الحقيقي للقانون الدولي ليس في عدد القواعد والقرارات الموجودة، وإنما في استعداد الدول لتطبيقها عندما يصبح تطبيقها مكلفًا سياسيًا.