qodsna.ir qodsna.ir

"إسرائيل" تحاول احتلال إجابة الذكاء الاصطناعي.. موقع وهمي يغرق الإنترنت بـ560 ألف كلمة لتجميل روايتها

في انتقال جديد للحملة الدعائية التي تقودها حكومة الاحتلال "الإسرائيلي" للتأثير في الرأي العام، كشفت صحيفة "الغارديان" عن مشروع يستهدف هذه المرة أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها، من خلال إنشاء موقع إلكتروني يتظاهر بأنه مركز أبحاث أميركي مستقل، وإغراقه بمئات آلاف الكلمات والمقالات المصاغة بطريقة تستهدف الأسئلة التي يطرحها المستخدمون على روبوتات الدردشة، في محاولة لزيادة فرص ظهور الرواية "الإسرائيلية" داخل إجابات تلك الأنظمة.

وتيرة نشر غير معتادة

ويتمحور المشروع، وفق تحقيق الصحيفة المنشور في 26 أغسطس/آب، حول موقع يحمل اسم "معهد هانوفر للسياسات العامة"، يقدم نفسه باعتباره مؤسسة بحثية، إلا أن "الغارديان" لم تجد دليلًا على وجود المعهد ككيان قانوني في أي جهة قضائية، كما لا يضع الموقع عنوانًا فعليًا للمعهد أو أسماء موظفين أو باحثين أو كتاب، ولا تحمل التقارير المنشورة عليه أسماء مؤلفين. وحتى شروط استخدام الموقع تترك هوية الولاية التي يفترض أن المؤسسة قائمة فيها مبهمة، إذ تشير فقط إلى قوانين "الولاية التي تأسس فيها المعهد" من دون تحديدها.

 

 وبحسب تحليل "الغارديان"، نشر الموقع بين 6 و14 أغسطس/آب 124 تقريرًا تجاوز مجموعها 560 ألف كلمة، بمتوسط يقارب 4500 كلمة للتقرير الواحد، في وتيرة نشر غير معتادة بالنسبة إلى أي مؤسسة بحثية تقليدية. وفي يومي 12 و13 أغسطس وحدهما، نشر الموقع 73 تقريرًا بلغ مجموعها قرابة 354 ألف كلمة، قبل أن يتوقف عن نشر مواد جديدة بعد بدء الكشف عن حقيقة المشروع. ولم تكن كثافة النشر هي العامل اللافت الوحيد، إذ صيغت جميع العناوين تقريبًا بطريقة تحاكي الأسئلة التي يمكن أن يكتبها المستخدم مباشرة في روبوت للذكاء الاصطناعي، ومن بينها: "هل معاداة الصهيونية معاداة للسامية؟"، و"هل طردت "إسرائيل" الفلسطينيين من أراضيهم؟"، و"هل ترتكب "إسرائيل" إبادة جماعية في غزة؟".

 

وبذلك، بدا الموقع وكأنه لا يخاطب القارئ البشري وحده، وإنما يستهدف أيضًا الطريقة التي تبحث بها أنظمة الذكاء الاصطناعي عن المعلومات وتسترجعها عند الإجابة عن الأسئلة. وقدمت التقارير نفسها في هيئة أبحاث أكاديمية محايدة، مع استخدام واسع للمراجع والهوامش والإحالات إلى مؤسسات دولية وحقوقية معروفة، بينها البنك الدولي ووكالات تابعة للأمم المتحدة والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومنظمة العفو الدولية، إلى جانب نص اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

وقال الباحث في معهد كوينسي نيك كليفلاند-ستوت، الذي تابع الموقع، إن الانطباع الأول الذي يتركه هو أنه يبدو أكاديميًا بصورة مقنعة، من تصميم الموقع وشعاراته إلى طريقة عرضه للمعلومات، لكن القراءة المتأنية تكشف أن جزءًا من الحجج المطروحة فيه "لا معنى له".

معاداة السامية

وبحسب تحليل الصحيفة، فإن المشكلة لم تكن في استخدام المصادر بحد ذاته، وإنما في طريقة ترتيب المعلومات وصياغة الاستنتاجات، إذ كانت المواد تميل بصورة متكررة إلى تخفيف حدة الانتقادات الموجهة إلى الاحتلال "الإسرائيلي". ففي القضايا التي خلصت فيها منظمات حقوقية إلى اتهام "إسرائيل" بارتكاب الإبادة الجماعية أو الفصل العنصري، كانت التقارير تعود بصورة متكررة إلى الإشارة إلى أن محكمة لم تصدر حكمًا نهائيًا بشأن الاتهام، وهي صياغة رصدتها الصحيفة في 20 تقريرًا من أصل 124. كما استخدمت التقارير عند الحديث عن أعداد الشهداء أو المساعدات عبارة تصف الأرقام بأنها صادرة عن "طرف في الأحداث"، وهي ملاحظة ظهرت في 55 تقريرًا، واستخدمت على أرقام فلسطينية و"إسرائيلية" على حد سواء، بما يترك لدى القارئ، وفق تحليل الصحيفة، انطباعًا بأن المعلومات المتعلقة بما يجري في غزة يصعب التحقق منها بصورة قاطعة. وفي مثال آخر، اعتمد الموقع بصورة متكررة على دراسة أكاديمية تعود إلى عام 2022 تناولت التعليقات المعادية للسامية على صفحات فيسبوك لوسائل إعلام بريطانية وفرنسية وألمانية، إذ جرى الاستشهاد بهذه الدراسة 454 مرة في 88 تقريرًا من أصل 124، بما في ذلك مواد تتناول موضوعات بعيدة عن مضمون الدراسة الأصلي، مثل تسجيل الأراضي في الأراضي المحتلة، وتأثير لجنة الشؤون العامة الأميركية "الإسرائيلية" في التغطية الإعلامية، وأعداد الشهداء في غزة، وتهجير الفلسطينيين عام 1948، والحصار المفروض على القطاع. ويرى كليفلاند-ستوت أن التكرار الواسع لهذه الدراسة يؤدي إلى إدخال قضية معاداة السامية في عدد كبير من الموضوعات المتعلقة بفلسطين و"إسرائيل"، بحيث ينتهي عدد من المواد إلى الإيحاء بأن مجرد تناول هذه القضايا أو انتقاد سياسات الاحتلال يمكن أن يرتبط بمعاداة السامية. لكن الجانب الأكثر أهمية في التحقيق يتعلق بالطريقة التي صُمم بها الموقع للتعامل مع الآلات، وليس البشر فقط. فقد وجدت "الغارديان" أن الموقع حمل في بدايته ملفًا تقنيًا يعرف باسم llms.txt، وهو ملف يساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على معرفة محتوى الموقع وكيفية قراءته، إلا أن الملف لم يكن يصف "معهد هانوفر" أصلًا، بل كان نسخة قياسية مرتبطة بمنصة تجارية تدعى Res، وهي منصة تقدم خدمات "محتوى موجه للذكاء الاصطناعي" وتسوّق نفسها باعتبارها أداة تساعد الشركات على زيادة فرص الاستشهاد بمحتواها من جانب ChatGPT وPerplexity وClaude وGemini. وتقول الصحيفة إن الملف جرى أرشفته في 13 أغسطس/آب، قبل أن يستبدل لاحقًا بنسخة مخصصة لقراءتها بواسطة الآلات، فيما اختفى اسم منصة Res من الموقع.

 
ويكشف ذلك عن استخدام تقنيات تعرف في قطاع الذكاء الاصطناعي باسم تحسين محركات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي امتداد لفكرة تحسين نتائج محركات البحث، لكن هدفها لا يقتصر على دفع صفحة إلى مقدمة نتائج البحث، وإنما زيادة فرص استشهاد أنظمة الذكاء الاصطناعي بها عند صياغة إجاباتها. وتزداد أهمية هذه الصلة بعدما تبين أن مؤسس منصة Res، هاي تران، سجل لدى وزارة العدل الأميركية في 22 يوليو/تموز باعتباره متعاقدًا فرعيًا مع شركة Piro في الحساب المرتبط بالحكومة "الإسرائيلية"، وقدم صفته في التسجيل باعتباره "استراتيجيًا رقميًا". وقال تران لوسائل إعلام أميركية إن دوره جرى الإفصاح عنه في ذلك التسجيل. مستودعات البيانات كما أن شركة Piro نفسها تسوق خدمة تحمل اسم AI Story Optimization، وتقول إنها قادرة على إنتاج محتوى "مصمم وفق الطريقة التي تقيم بها نماذج اللغة الكبيرة المصداقية"، مع إمكانية نشر هذا المحتوى على مواقع العملاء أو على مواقع أخرى يجري إنشاؤها لهذا الغرض. وتشير "الغارديان" إلى أن الهدف الأبعد من هذه العملية قد لا يكون مجرد جعل المستخدم يصل إلى الموقع عبر بحث مباشر، وإنما إدخال المواد المنتجة إلى مستودعات البيانات التي تستند إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي في عمليات التدريب والتطوير.

 
وأوضح كليفلاند-ستوت أن هناك طريقين للتأثير؛ الأول يتمثل في نشر مواقع على الإنترنت وانتظار أن تستشهد روبوتات الدردشة بها، أما الطريق الثاني والأكثر إثارة للقلق فيتمثل في إدخال هذه المواد إلى مستودعات مثل Common Crawl، التي توفر كميات ضخمة من بيانات الويب لمطوري نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية. وفي هذه الحالة، يمكن أن تعيد النماذج إنتاج روايات سبق أن تعرضت لها أثناء التدريب من دون أن تذكر مصدرها، ما يجعل عملية التحقق من أصل المعلومة أكثر صعوبة. وتكشف الصحيفة أن هذه المرحلة ليست مجرد احتمال نظري؛ فقد ظهرت المواقع السبعة التي تديرها شركة Clock Tower X، وهي الشركة التي يديرها مدير الحملة الرقمية السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب براد بارسكيل، 294 مرة في فهرس Common Crawl لشهر يوليو/تموز، فيما لم يظهر "معهد هانوفر" في ذلك الفهرس حتى الآن لأن تقاريره نشرت بعد إغلاق عملية الزحف الأخيرة، لكنه بات في بداية المسار نفسه. وبذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بما يمكن أن تقوله روبوتات الذكاء الاصطناعي اليوم عند البحث عن موقع بعينه، وإنما بما يمكن أن يحدث عندما تتراكم المواد المنشورة في أرشيفات الإنترنت وقواعد البيانات التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي مستقبلًا، بحيث تصبح رواية سياسية جرى إنتاجها بصورة منظمة جزءًا من البيئة المعلوماتية التي تتعلم منها الآلة. ورغم أن كل صفحة في موقع "معهد هانوفر" تحمل إفصاحًا عن علاقته بجهة أجنبية، فإن كليفلاند-ستوت أشار إلى أن هذا الإفصاح لا يعني بالضرورة أن المستخدم العادي سيبحث عن هوية الجهة التي تقف وراء الموقع أو يتحقق من درجة موثوقيته، وهو ما يثير سؤالًا أوسع حول قدرة المستخدم على التمييز بين مركز أبحاث حقيقي وبين موقع مصمم ليبدو كذلك.

وفي اختبار أجرته "الغارديان" أثناء إعداد التحقيق، أظهر ChatGPT بالفعل أربعة تقارير من موقع "معهد هانوفر" عند سؤاله عن أبحاث المعهد، لكنه أضاف في الوقت نفسه تحذيرًا من وجود جدل كبير حول الجهة التي تمول المعهد وسبب وجوده، وأحال إلى تقارير تناولت هذه القضية. وتوضح هذه النتيجة أن ظهور المحتوى داخل إجابة روبوت ذكاء اصطناعي لا يعني بالضرورة أن النظام تبنى روايته أو اعتبرها صحيحة، لكنه يؤكد وصول المواد إلى البيئة التي تستهدفها الحملة. أما التمويل، فتظهر وثائق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأميركي FARA أن شركة Piro تعاقدت بقيمة مليون دولار موزعة على أمرَي عمل. وتوضح السجلات الرسمية لوزارة العدل الأميركية أن Piro سجلت مواد مرتبطة بالمشروع باعتبارها موزعة لصالح Havas Media Germany GmbH بالنيابة عن وكالة الإعلانات الحكومية "الإسرائيلية" LaPam. لكن مبلغ المليون دولار لا يمثل سوى جزء من حملة أوسع بكثير. فوفق "الغارديان"، تعمل Piro وClock Tower X كمقاولين فرعيين لشركة Havas Media Germany، بينما تظهر Havas كوسيط في تسجيلات الوكلاء الأجانب المتعلقة بخمس شركات أميركية، هي Clock Tower X وPiro وTargeted Communications Global وBridges Partners وDavis Media NY. وكيل للحكومة "الإسرائيلية" وتظهر سجلات وزارة العدل أن Havas دفعت لشركة Clock Tower X 15 مليون دولار عبر ست دفعات بين 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025 و3 مارس/آذار 2026، كما دفعت 9 ملايين و892 ألفًا و335 دولارًا لشركة Targeted Communications Global بين أكتوبر وديسمبر/كانون الأول 2025. وبذلك بلغت المدفوعات المسجلة لهاتين الشركتين وحدهما نحو 24.9 مليون دولار. وتكشف الوثائق أيضًا أن شركة Havas الأميركية أنهت تسجيلها كوكيل للحكومة "الإسرائيلية" في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي بعد سبعة أيام من أول دفعة إلى Clock Tower X. وبعد أن بدأت الشركة الألمانية بتحويل الأموال مباشرة إلى المقاولين الأميركيين، لم تعد Havas مطالبة بتقديم الإفصاحات نفسها باعتبار أن الجهة الأجنبية الرئيسية ليست ملزمة بالتسجيل، ما جعل حجم الحملة الأوسع أقل وضوحًا في السجل العام، ووزع المعلومات المتعلقة بالتمويل على تسجيلات الشركات المنفردة.

وفي الجانب الآخر من هذه الشبكة، تظهر سجلات المشتريات الحكومية في "إسرائيل" أن وكالة الإعلانات الحكومية LaPam منحت كيانات تابعة لـHavas عقودًا من دون مناقصة تنافسية بقيم بلغت 39 مليون دولار، و29 مليون دولار، و17.5 مليون دولار خلال عام 2019، ثم عقدًا بقيمة 58.3 مليون دولار في مارس/آذار 2023 للتخطيط وشراء المساحات الإعلامية في الخارج، وانتهى العقد الأخير في مارس/آذار 2024. ولم تجد الصحيفة في السجلات المنشورة حتى 5 أغسطس/آب 2026 عقدًا جديدًا معلنًا مع Havas يغطي الفترة التي دفعت فيها الشركة نحو 24.9 مليون دولار للشركات الأميركية. ولم تكن الأموال مخصصة بالكامل لمحاولة التأثير في روبوتات الذكاء الاصطناعي، إذ تكشف ملفات Targeted Communications Global عن حملة على وسائل التواصل الاجتماعي حملت اسم "Freedom Not Terror"، ونشرت فيديو مدته 30 ثانية على يوتيوب في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وبلغ عدد مشاهداته نحو 28.1 مليون مشاهدة، بينما يضم حساب الحملة على تيك توك 425 متابعًا فقط، وتظهر على موقعها عبارة تفيد بأن الحملة مدفوعة من LaPam، فيما لم تنشر الحملة أي مواد جديدة منذ ديسمبر/كانون الأول 2025.

وتأتي هذه الحملة في وقت تواجه فيه الدبلوماسية العامة للاحتلال "الإسرائيلي" أزمة متصاعدة داخل الولايات المتحدة، إذ نقلت وسائل إعلام "إسرائيلية" في يوليو/تموز عن مسؤولين أن جهود التأثير في الرأي العام الأميركي لم تحقق أهدافها، وقال أحد المسؤولين إن الحكومة "دفعت أموالًا كثيرة، لكن الوضع ازداد سوءًا". كما نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول سابق في جهاز الدبلوماسية العامة وصف الحملة بأنها عملية خداع ضخمة، فيما أثارت أدوار بعض المتعاقدين الخارجيين، وبينهم بارسكال، تساؤلات داخل المؤسسة "الإسرائيلية" حول الأموال التي أنفقت والنتائج التي تحققت. وفي هذا السياق، خصص وزير خارجية الاحتلال غدعون ساعر 181.6 مليون دولار للدبلوماسية العامة الدولية عند توليه منصبه، ثم جرى تخصيص 666.3 مليون دولار إضافية لعامي 2026 و2027، في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي الأميركية تراجعًا واضحًا في صورة الاحتلال "الإسرائيلي".

وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب في فبراير/شباط أن الأميركيين أصبحوا للمرة الأولى أكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين من "الإسرائيليين"، فيما بلغت نسبة الأميركيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه "إسرائيل" 60% في استطلاع لمركز بيو في أبريل/نيسان، بزيادة تقارب 20 نقطة مئوية منذ عام 2022، وكان التحول أكثر وضوحًا بين الشباب. كما أظهر استطلاع AP-NORC نشر في يوليو/تموز أن 31% من الأميركيين يرون أن العمليات العسكرية "الإسرائيلية" في غزة ترقى إلى الإبادة الجماعية، وترتفع النسبة إلى 52% بين الديمقراطيين، فيما رأى 58% من الديمقراطيين أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا أكبر من اللازم لـ"إسرائيل"، مقارنة بـ45% في يناير/كانون الثاني 2024. ويرى كليفلاند-ستوت أن المشكلة التي تواجه حملة الدعاية ليست مشكلة تسويق في الأساس، وإنما مرتبطة بالسياسات التي ينتهجها الاحتلال "الإسرائيلي" نفسها، والتي تدفع أعدادًا متزايدة من الأميركيين إلى إعادة النظر في موقفهم منه.

ويشير الباحث إلى أن نجاح الحملة في التأثير في روبوتات الذكاء الاصطناعي يختلف عن نجاحها في تغيير الرأي العام؛ فحتى إذا نجح المشروع في دفع ChatGPT أو غيره إلى عرض مزيد من الروايات المؤيدة لـ"إسرائيل"، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تغير مواقف الأميركيين أو نتائج استطلاعات الرأي.

 وهنا تكمن المفارقة الأساسية التي يبرزها التحقيق: قد تنجح الحملة في التأثير في الآلة، من دون أن تنجح في تغيير الإنسان. قضايا الإبادة الجماعية لكن ذلك لا يقلل من خطورة ما تكشفه التجربة، لأن القضية تفتح الباب أمام شكل جديد من التلاعب بالمعلومات، لا يقتصر على حكومة الاحتلال "الإسرائيلي"، وإنما يمكن أن تمارسه حكومات وشركات وجماعات ضغط وأطراف تجارية مختلفة، عبر إغراق الإنترنت بمحتوى مصمم خصيصًا للتأثير في نماذج الذكاء الاصطناعي.

 وبهذا المعنى، فإن ما كشفته "الغارديان" يتجاوز قصة موقع وهمي أو حملة دعائية جديدة؛ فهو يكشف انتقال الصراع على الرواية إلى مستوى آخر، حيث لم تعد المعركة تدور فقط حول الظهور في وسائل الإعلام أو تصدر نتائج محركات البحث، وإنما حول البيانات التي تقرأها الآلة، والمصادر التي تستند إليها، والسياق الذي تصوغ من خلاله إجاباتها للمستخدمين.

وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، لأن الأسئلة التي استهدفتها الحملة تتصل مباشرة بقضايا الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وتجويع الفلسطينيين، وجرائم الحرب، وتعذيب الأسرى، والتهجير، والاستيطان، والحصار، وتهجير الفلسطينيين عام 1948. فإذا كانت الحملات الدعائية التقليدية تحاول إقناع الجمهور برواية معينة، فإن النموذج الجديد يحاول أن يضع هذه الرواية في طريق الآلة قبل أن يصل إليها المستخدم، بحيث يجد أمامه عند طرح سؤال عن غزة أو فلسطين محتوى جرى إنتاجه مسبقًا ليقدم له إجابة محسوبة. وتقول "الغارديان" إن وزارة خارجية الاحتلال "الإسرائيلي" نفت أن تكون الدولة تنفذ عمليات تأثير في الولايات المتحدة، وقالت إنها حريصة على الالتزام بالقانون الأميركي، فيما قال الشريك المؤسس لشركة Piro، دانيال روزنبرغ، إن الشركة تعاقدت لوضع معلومات دقيقة وموثقة في السجل العام ومواجهة ما تعتبره معلومات مضللة حول "إسرائيل". غير أن وثائق التسجيل الأميركية تظهر في المقابل ارتباط Piro بالمشروع لصالح الجهة الحكومية "الإسرائيلية"، فيما تكشف الوثائق عن شبكة أوسع من الشركات والعقود والأموال التي تحركت عبر Havas وLaPam، وهو ما يجعل قصة "معهد هانوفر" جزءًا من حملة أكبر تتجاوز الموقع نفسه.

 
محتوي مهندس عمداً

وتخلص تجربة الموقع الوهمي، كما عرضتها "الغارديان"، إلى أن حروب الرواية دخلت مرحلة جديدة؛ فبدلًا من الاكتفاء بمحاولة السيطرة على ما يراه المستخدم على شاشته، يجري السعي إلى التأثير في ما ستقوله له الآلة عندما يسألها، عبر بناء مواقع تبدو مستقلة، ونشر كميات هائلة من المحتوى، واستخدام تقنيات مخصصة للذكاء الاصطناعي، وربط هذه العملية بشبكة من الشركات والعقود.

 وبينما يمكن اكتشاف الموقع الوهمي وكشف مصادر تمويله في هذه الحالة، يبقى السؤال الأوسع متعلقًا بما إذا كانت مثل هذه الأساليب ستصبح جزءًا دائمًا من بيئة المعلومات الرقمية، خصوصًا مع تزايد اعتماد الجمهور على روبوتات الذكاء الاصطناعي كمصدر أول للحصول على المعلومات، وما إذا كانت الآلات ستتمكن من التمييز مستقبلًا بين المعرفة المستقلة والمحتوى الذي جرى هندسته عمدًا للتأثير في إجاباتها.


| رمز الموضوع: 420683