الشهيد علي خامنئي.. حامل روح كربلاء في مواجهة الاستكبار
محمد مصطفى شاهين
وكالة القدس للأنباء(قدسنا) في تاريخ الأمم رجال تصنعهم الظروف ورجال يصنعون الظروف وهناك فئة ثالثة نادرة هي تلك التي تتحول إلى عنوان لمرحلة كاملة بما فيها من صراعات وتناقضات وتحولات ،ومن هذه الفئة يبرز المرشد الإيراني علي خامنئي رحمه الله بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في المشهد السياسي للشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الأخيرة.
ومن الجوانب التي قلما تحظى بالاهتمام في قراءة شخصية خامنئي أنه لم يقدم نفسه قائداً لمشروع مذهبي ضيق بل سعى إلى ترسيخ فكرة الوحدة الإسلامية بوصفها ضرورة حضارية في مواجهة الانقسامات التي أنهكت الأمة وفي هذا الإطار أصدر فتوى شهيرة تحرم الإساءة إلى الصحابة وإلى أمهات المؤمنين وعدها فعلاً يثير الفتنة ويخدم أعداء المسلمين، كما تبنى سياسة التقارب بين المذاهب الإسلامية ورأى أن الخلافات الفقهية لا ينبغي أن تتحول إلى حواجز سياسية أو اجتماعية بين أبناء الأمة الواحدة.
وفي الوقت ذاته آمن بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون قوة علمية وعسكرية واقتصادية فدعم برامج التصنيع والتطوير العسكري حتى تصبح إيران دولة قادرة على حماية قرارها السيادي ومواجهة الضغوط الخارجية من موقع الند لا التابع.
لم يكن الشهيد خامنئي في نظر أنصاره مجرد رئيس دولة أو مرجعية دينية تدير شؤون الجمهورية الإسلامية لقد كان فارس فكرة قبل أن يكون رجل سلطة وفكرته المركزية كانت أن العالم يعيش حالة اختلال عميق في موازين العدالة وأن هناك منظومة هيمنة دولية تحاول أن تفرض إرادتها على الشعوب الضعيفة وتعيد تشكيل الجغرافيا السياسية وفق مصالحها الاستراتيجية.
ومن هنا يمكن فهم إصراره المستمر على استخدام مصطلحات مثل الاستكبار العالمي والهيمنة الغربية ومحور المقاومة فهذه التعبيرات لم تكن في قاموسه السياسي مجرد مفردات خطابية للتعبئة الجماهيرية وإنما كانت تعكس رؤية متكاملة للنظام الدولي ولطبيعة الصراع الدائر في المنطقة.
لقد أدرك خامنئي مبكرا أن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع حدودي بين شعبين ولا خلافاً يمكن تسويته بمفاوضات طويلة أو ترتيبات أمنية مؤقتة، كان يرى فلسطين بوصفها عنوانا للصراع بين الاحتلال والتحرر وبين منطق القوة ومنطق الحق ولذلك لم يتعامل معها كملف من ملفات السياسة الخارجية الإيرانية بل باعتبارها قضية تأسيسية تمس هوية الأمة ومستقبلها.
ولعل أهم ما يميز تجربته أنه نجح في تحويل دعم فلسطين من موقف سياسي عابر إلى جزء من بنية الدولة الإيرانية وثوابتها الاستراتيجية ففلسطين في خطاب خامنئي لم تكن مجرد شعار يرفع في المناسبات بل تحولت إلى أحد مرتكزات العقيدة السياسية الإيرانية وإلى بوصلة تحدد اتجاهات السياسة الإقليمية.
وفي هذا السياق جاء دعمه للمقاومة الفلسطينية فقد كان ينظر إلى حركات المقاومة على أنها التعبير العملي عن حق الشعوب في الدفاع عن نفسها وعن أرضها وكان يعتقد أن المقاومة ليست مغامرة عسكرية وإنما أداة لإعادة التوازن إلى معادلة اختلت لعقود طويلة لصالح الاحتلال الإسرائيلي المدعوم من القوى الكبرى.
والأمر نفسه ينطبق على موقفه من المقاومة اللبنانية فقد رأى في تجربتها دليلاً على أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية وأن الشعوب إذا امتلكت الإرادة والتنظيم والقدرة على الصمود تستطيع أن تفرض وقائع جديدة على الأرض وأن تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ
ومن منظور أوسع يمكن القول إن خامنئي كان مهندس سياسة النفوذ الإيراني في الإقليم فقد عمل على بناء شبكة من التحالفات والقوى المتقاربة فكرياً وسياسياً فيما عرف لاحقا بمحور المقاومة وكان يعتقد أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر الهيمنة الخارجية بل من خلال توازن إقليمي جديد تقوده قوى تمتلك إرادتها السياسية وتتحرر من التبعية.
ولم يكن حديثه عن الوحدة الإسلامية مجرد أمنية أخلاقية أو خطاب عاطفي، لقد كان يرى أن الانقسامات المذهبية والعرقية هي واحدة من أخطر أدوات إضعاف الأمة وأن مشاريع التفتيت تخدم في النهاية القوى الساعية إلى إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم، ولذلك ظل يدعو إلى بناء وعي إسلامي جامع يتجاوز الانقسامات ويعيد الاعتبار لفكرة التضامن بين الشعوب.
وقد يختلف كثيرون مع سياسات خامنئي أو مع بعض خياراته الإقليمية لكن من الصعب إنكار حقيقة أساسية وهي أنه استطاع أن يجعل من فلسطين قضية حاضرة في وجدان السياسة الإيرانية وفي حسابات الشرق الأوسط كله كما استطاع أن يفرض نفسه لاعبا رئيسيا في معادلات المنطقة بحيث بات من المتعذر تناول أي ملف استراتيجي في الإقليم دون التوقف عند دوره وتأثيره.
إن شخصية علي خامنئي لا يمكن قراءتها بمنطق الأخبار اليومية أو الحسابات التكتيكية الضيقة فهو في نهاية المطاف فارس ارتبط اسمه بفكرة المقاومة وبالدفاع عن استقلال القرار السياسي وبالسعي إلى بناء توازن جديد في مواجهة الهيمنة الدولية ولهذا فإن صورته ستظل موضع جدل بين من يراه قائدا حمل راية دعم فلسطين والمقاومة ومن يراه خصما استراتيجيا للنظام الدولي القائم.
غير أن الفريقين يتفقان على أمر واحد وهو أن الرجل نجح في أن يجعل من فلسطين بوصلة ثابتة في خطابه السياسي وأن يترك بصمة عميقة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر وأن يتحول إلى أحد أبرز الفاعلين في معادلاته السياسية والجيوسياسية خلال العقود الأخيرة.
ولعل المشهد الأخير في حياة خامنئي كان امتدادا طبيعيا للمسار الذي اختاره منذ عقود فالرجل الذي رفض الإملاءات الأمريكية ولم يقبل بمنطق الاستسلام لم يغادر موقعه حين اقترب الخطر ولم يبحث عن ملاذ آمن بعيدا عن شعبه ودولته وتقول الروايات المتداولة إنه آثر البقاء في منزله المتواضع مؤمنا بأن القائد لا يختبئ عندما تشتد العواصف ثم جاء استشهاده في الضربة التي أودت بحياته وحياة عدد من أفراد أسرته ومن بينهم حفيدة صغيرة، وفي نظر أنصاره لم تكن تلك نهاية رجل دولة فحسب بل نهاية رجل عاش مدافعا عن فكرته حتى اللحظة الأخيرة وترك وراءه إرثا سياسيا عنوانه أن المقاومة ليست شعارا يرفع في أوقات الرخاء وإنما موقف يدفع أصحابه أثمانه كاملة وسيبقى خالداً في وعي الأحرار.
الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS