بين طاولة القاهرة وزحف الميدان: من يكتب مستقبل غزة؟
وكالة القدس للأنباء (قدسنا)
في الوقت الذي تجلس فيه الوفود حول طاولة المفاوضات في القاهرة لمناقشة خرائط الطريق وبنود التهدئة، تتحرك على الأرض خرائط أخرى أكثر صلابة: خرائط ترسمها الجرافات العسكرية، وتثبتها الكتل الخرسانية، وتحرسها البنادق. هنا تكمن المفارقة التي تحكم المشهد في غزة اليوم: مفاوضات تتقدم ببطء شديد، مقابل واقع ميداني يتغير بسرعة أكبر بكثير.
في القاعات المغلقة، يتحدث الوسطاء عن “أجواء إيجابية” و“تقدم حذر”. تناقش الوفود وثيقة سياسية من خمسة عشر بنداً يفترض أن تفتح الطريق نحو مرحلة ثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ تطبيقه في أكتوبر 2025. معظم البنود لا تبدو مستعصية، بل إن الفصائل الفلسطينية أبدت مرونة ملحوظة تجاه غالبية المقترحات المطروحة.
لكن العقدة التي تعيد كل شيء إلى نقطة الصفر تبقى واحدة: السلاح.
تطالب إسرائيل بنزع سلاح حركة حماس كشرط مسبق لأي تقدم سياسي. بالنسبة لها، لا يمكن الحديث عن انسحاب أو ترتيبات سياسية قبل حسم هذا الملف بالكامل. في المقابل، ترى الفصائل الفلسطينية أن هذا الشرط يعني عملياً فرض نتيجة الحرب على طاولة التفاوض، وليس التوصل إلى تسوية متوازنة.
هنا حاول الوسطاء إدخال صيغة وسطية عرفت باسم “التدرج والتزامن”: إدارة ملف السلاح ضمن مسار تدريجي يترافق مع انسحاب إسرائيلي مرحلي من قطاع غزة، وبإشراف لجنة وطنية فلسطينية وبضمانات دولية. الفكرة تبدو، نظرياً، محاولة لتجاوز المأزق.
لكن المشكلة أن الزمن السياسي في القاهرة لا يسير بالسرعة نفسها التي يسير بها الزمن العسكري في غزة.
فبينما تتواصل النقاشات حول كيفية إدارة السلاح في المستقبل، تتغير جغرافيا القطاع في الحاضر. الاتفاق الأصلي لوقف إطلاق النار رسم ما عرف بـ“الخط الأصفر”، محدداً مناطق السيطرة الإسرائيلية بنحو 53 في المئة من مساحة القطاع. غير أن هذا الخط لم يبق ثابتاً. خلال الأشهر الأخيرة تحرك تدريجياً نحو الغرب، لترتفع نسبة السيطرة إلى ما يقارب 60 في المئة، مع استعدادات عسكرية للوصول إلى حدود 70 في المئة.
هذا التحول لا يمثل مجرد تغيير تقني في خطوط الانتشار العسكري، بل يعكس واقعاً سياسياً جديداً يتشكل على الأرض. فكل متر إضافي من الأراضي التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية يغير موازين التفاوض ويقلص هامش المناورة أمام الطرف الفلسطيني.
بمعنى آخر، بينما يناقش الوسطاء خرائط الحلول، يجري رسم خريطة أخرى أكثر تأثيراً: خريطة السيطرة الفعلية.
ولعل ما يجعل هذا المشهد أكثر قسوة هو أن هذه التحولات تجري فوق مساحة صغيرة يعيش فيها أكثر من مليوني إنسان. هؤلاء لا يتابعون تفاصيل الوثائق السياسية أو صيغ التسوية المعقدة. ما يحدد حياتهم اليومية هو شيء أبسط بكثير: أين يمكنهم أن يناموا الليلة، وأين يمكنهم أن يجدوا الماء أو الخبز في اليوم التالي.
فمع تقلص المساحات المتاحة للسكان، يتحول القطاع إلى مساحة مكتظة على نحو غير مسبوق. آلاف العائلات تعيش في خيام أو ملاجئ مؤقتة، بينما تبقى المساعدات الإنسانية أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب. حتى خلال الهدنة، لم يتوقف سقوط الضحايا نتيجة الغارات أو إطلاق النار في مناطق التماس.
هذه المعادلة تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل تستطيع المفاوضات اللحاق بالواقع الذي يتشكل على الأرض؟
التجارب السابقة تشير إلى أن الميدان غالباً ما يسبق السياسة. وفي حالة غزة يبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً. فكلما طال أمد المفاوضات دون اتفاق واضح، ازداد احتمال أن تفرض التطورات العسكرية نفسها كحقيقة يصعب تغييرها لاحقاً.
لهذا السبب، لا تدور المعركة الحقيقية اليوم فقط حول بنود الاتفاق أو ترتيبات الأمن. المعركة تدور حول الزمن نفسه: أيهما أسرع، التفاوض أم الواقع الميداني؟
إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في كبح هذا التسارع، فقد يكون بالإمكان تثبيت هدنة أطول وربما فتح باب تسوية أوسع. أما إذا استمرت الفجوة بين المسارين، فقد تتحول الهدنة الحالية إلى مجرد محطة مؤقتة قبل جولة جديدة من المواجهة.
حتى الآن، يبدو أن غزة عالقة بين مسارين متوازيين: مسار سياسي يسير ببطء شديد، ومسار ميداني يتقدم بسرعة أكبر. وبين الاثنين يقف أكثر من مليوني إنسان في مساحة تتقلص يوماً بعد يوم، ينتظرون نتيجة صراع لا يملكون القدرة على التحكم فيه.
وفي النهاية، قد لا يحدد مستقبل غزة ما يُكتب في أوراق المفاوضات بقدر ما يحدده ما يُرسم على الأرض.
الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS