من غزة إلى بيروت مصيرٌ واحد
"وحدة الساحات" واقعٌ فعلي.. وفلسطين بوصلة الصراع ومفتاح الحل
أكّد الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، عماد خشمان، أن التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة في كل من فلسطين، ولبنان، واليمن، والعراق، وإيران، لم تعد مجرد أحداث منفصلة يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها البعض، إنما صياغة عملية وتطبيقية لمشهد إقليمي موحد تتداخل فيه الجبهات، والرسائل، والضغوط، والمصالح المشتركة.
وأوضح خشمان، في قراءة سياسية تحليلية شاملة للمشهد الراهن، أن المنطقة تجاوزت بالفعل مرحلة الشعارات السياسية والدعاية التعبوية، لتنتقل إلى طور التجسيد الميداني والاستراتيجي لمفهوم "وحدة الساحات". واعتبر خشمان خلال حديثه لوكالة (شهاب) أن هذا التحول بات واقعاً مفروضاً بمعادلات ردع نوعية استطاع محور المقاومة تثبيتها في وجه المشاريع الأمريكية - "الإسرائيلية" التي تستهدف المنطقة. وفي سياق متصل، أشار الكاتب السياسي اللبناني إلى أن الاحتلال "الإسرائيلي" يمثل المصدر الأساسي لعدم الاستقرار الإقليمي نتيجة لسياساته العدوانية المتواصلة وتجاوزه للمواثيق الدولية. وحذر خشمان من خطورة المحاولات "الإسرائيلية" الرامية إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة بقوة السلاح، من خلال تصعيد الاعتداءات والتهديدات التي طالت العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية. وشدد خشمان على أن هذه المحاولات لن تفلح في الاستفراد بأي جبهة على حدة، مبيناً أن الحسابات "الإسرائيلية" التي تعتقد بقدرتها على عزل الساحات قد سقطت. وأضاف: "إن أي تصعيد واسع ضد لبنان لم يعد يُقرأ داخل أروقة محور المقاومة باعتباره شأناً لبنانياً صرفاً، إذ يتم التعامل معه كجزء لا يتجزأ من مواجهة إقليمية أوسع تتداخل فيها الحسابات الإيرانية، واليمنية، والعراقية، والفلسطينية الرافضة للهيمنة والعدوان". وعلى صعيد المواقف والردود الصادرة من طهران، لفت خشمان إلى أن الرسالة الإيرانية الأساسية تتمحور حول تفكيك الاستراتيجية "الإسرائيلية"؛ حيث تسعى إيران إلى تثبيت معادلة لا لبس فيها مفادها أن أمن حلفائها جزء لا يتجزأ من أمنها الاستراتيجي، وأن أي استهداف كبير للبنان أو لبنيته المقاوِمة سيفجر ردوداً متزامنة من ساحات أخرى، بهدف رفع كلفة أي قرار أمريكي أو "إسرائيلي" بتوسيع رقعة المواجهة. وفي ذات السياق، استعرض المحلل السياسي الأوراق الاستراتيجية التي باتت تملكها كل من صنعاء وبغداد، مؤكداً أن أهميتها تجاوزت سقف الدعم السياسي التضامني إلى التأثير الفعلي؛ إذ نجح اليمن في الإمساك بعصب الملاحة البحرية الدولية مستهدفاً السفن المرتبطة بالاحتلال، مما انعكس مباشرة على أمنه الاقتصادي، في حين تمتلك فصائل المقاومة العراقية القدرة على التأثير المباشر في بيئة انتشار القوات الأمريكية وقواعدها في المنطقة، ما يعني أن أي حرب واسعة ستتحول سريعاً إلى طوق من الضغوط المتزامنة. غزة والضفة: بوصلة الصراع ومفتاح الحل ورغم اتساع رقعة الاشتباك وتعدد الجبهات، جزم الكاتب اللبناني بأن قطاع غزة يظل القضية المركزية والجوهر الحقيقي الذي تدور حوله كل التحركات الإقليمية والدولية. وأوضح أن استمرار جرائم الاحتلال وحرب الإبادة في غزة، إلى جانب التصعيد العسكري والاعتقالات الواسعة في الضفة الغربية والقدس المحتلة، يمثل السبب الرئيسي والشرارة الحقيقية وراء اشتعال التوتر الإقليمي. بناءً على ذلك، بيّن خشمان أن قوى المحور تربط جبهاتها عضوياً بمسار الوضع في غزة، مشدداً على أن أي حديث دولي أو إقليمي عن التهدئة، أو الاستقرار، أو خفض التصعيد، يظل حديثاً قاصراً ما لم يمر عبر المدخل الأساسي والوحيد، وهو الوقف الفوري والكامل للعدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة ولبنان، ورفع الحصار الجائر وتأمين الاحتياجات الإنسانية، وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وحماية حقوقه التاريخية المشروعة. وعن الدور الأمريكي، أشار خشمان إلى أن واشنطن وحلفاءها يتحركون دبلومسياً وعسكرياً لمحاولة احتواء التصعيد ومنع انفلاته الكامل، مدفوعين بحاجتهم الملحة لحماية مصالحهم الاقتصادية وأمن الممرات البحرية. ورأى أن هذا الدافع يعزز من أهمية المسارات التفاوضية مع طهران، والتي لا تقتصر على الملف النووي التقليدي، بل تمتد لتكون مدخلاً لخفض النيران في الجبهات المشتعلة. واستدرك بالقول إن طهران واضحة في ربطها بين أي تقدم سياسي وبين معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، وعلى رأسها وقف حرب الإبادة في غزة والاعتداءات على لبنان، مما يجعل مستقبل التهدئة مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف الدولية على فرض تفاهمات شاملة تتجاوز الإطارات الضيقة. وفي سياق قراءته السياسية، أكّد الكاتب عماد خشمان على الأهمية البالغة لاستمرار ومضاعفة جهود الإسناد السياسي، والإعلامي، والحقوقي للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، معتبراً أن جبهات المنطقة تحولت من جبهات متجاورة تتأثر ببعضها عن بُعد، إلى شبكة مترابطة ومصيرية؛ بحيث باتت أي شرارة في غزة قادرة على إحداث ارتدادات فورية ومباشرة في بيروت، وصنعاء، وبغداد، وطهران. وخلص خشمان إلى القول: "إن المنطقة اليوم تسير على حدِّ السكين وتتعامل مع احتمالات الحرب الشاملة كواقع يستوجب الاستعداد الدائم، وهي تقف أمام معادلة شديدة الحساسية والدقة؛ فإما أن تنصاع القوى الدولية للحق والمنطق وتجبر الاحتلال على وقف عدوانه الشامل، وإما الدخول في دوامة مواجهة كبرى متعددة الجبهات، لن تقتصر آثارها التدميرية على حدود المنطقة فحسب، بل ستمتد لتطال المصالح الدولية بأسملها".