qodsna.ir qodsna.ir

من النكسة إلى طوفان الأقصى.. كيف أعادت غزة كتابة تاريخ المنطقة وحطمت معادلات الاحتلال؟

المشهد اليوم، وبعد مرور 78 عاما على النكبة و59 عاما على تلك الهزيمة، يبدو مختلفا تماما؛ حيث نجحت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عبر معركة "طوفان الأقصى" في تحطيم المعادلات القديمة، وصياغة فجر جديد للتمسك بالأرض ومجابهة القوة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي وجها لوجه.

تحل هذه الأيام ذكرى حرب يونيو عام 1967، تلك المحطة التاريخية القاسية التي عُرفت بـ "النكسة" وغيّرت وجه المنطقة العربية عقوداً طويلة.

لكن المشهد اليوم، وبعد مرور 78 عاما على النكبة و59 عاما على تلك الهزيمة، يبدو مختلفا تماما؛ حيث نجحت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عبر معركة "طوفان الأقصى" في تحطيم المعادلات القديمة، وصياغة فجر جديد للتمسك بالأرض ومجابهة القوة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي وجها لوجه، مسلطة الضوء على الفارق الشاسع بين انكسار الجيوش النظامية قديما، وصمود المقاومة الشعبية الحديثة في غزة. "

جذور النكسة"

 تعود الذاكرة إلى تلك "الستة أيام التي غيّرت المنطقة"، حين انتهت حرب يونيو 1967 باحتلال الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس، وشبه جزيرة سيناء، وهضبة الجولان. وفي قراءة تفكيكية لأسباب هذه الهزيمة، يوضح المحلل السياسي عمر فارس أن الصدمة لم تكن مجرد فشل عسكري، بل كانت انعكاسا لانهيار استراتيجي شامل سبق المعركة بسنوات؛ حيث ساد آنذاك انفصال حاد بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، وجرى الرهان من قِبل القيادات على الردع النفسي لا العسكري الفعلي وسط استعدادات شحيحة ومبعثرة.


ينتقل المحلل عمر فارس إلى تشريح السبب الميداني المباشر، مبيناً أن ضياع عنصر المباغتة ووقوع الجيوش العربية في وضع دفاعي مكشوف منح الاحتلال فرصة تنفيذ ضربة جوية استباقية دمرت 90% من الطائرات الحربية وهي على الأرض، ليفقد العرب غطاءهم الجوي وتتحول آلياتهم إلى أهداف سهلة. والأعمق من ذلك كان الأثر النفسي؛ إذ صُدمت المجتمعات التي دخلت الحرب واثقة من النصر بفضل الإعلام المتصاعد، مما رسخ شعوراً عارماً بالعجز وبداية مرحلة من النقد الذاتي القاسي. "

تهجير ممتد

 "ولم تتوقف تداعيات تلك الحرب عند خسارة الأرض، بل امتدت لتطال الإنسان الفلسطيني بشكل مباشر؛ إذ تسببت النكسة في تهجير نحو 300 ألف فلسطيني من ديارهم، وفتحت الباب لاحتلال ما زالت آثاره السياسية والجغرافية مستمرة حتى اليوم

وفي هذا السياق، يضفي الكاتب رامي خريس بُعدا إنسانيا وشخصيا ممتدا على هذه المعاناة، مستحضرا قصة طفل من عائلته يُدعى "عبد الرحمن"، وُلد في ذكرى الخامس من يونيو ليرافق تفاصيل الحياة اليومية الشاقة في غزة، قبل أن تنتهي حياته شهيدا في الحرب الحالية على القطاع، ليتحول هذا التاريخ في الذاكرة إلى صورتين متناقضتين: حياة بدأت هنا، وحياة انتهت هناك بفعل آلة القتل المستمرة.

ويرى الكاتب رامي خريس أن العلاقة بين الوجع الشخصي والنكسة هي خيط ممتد منذ عام 1967 يعيد إنتاج الصراع بأشكال مختلفة تدفع الأجيال ثمنه؛ معتبرا أن العقود الماضية شهدت مسارات تسوية سياسية واتفاقات تطبيع لم تقد إلى إنهاء الصراع أو استعادة الحقوق، بل أعادت تنظيمه دون حسمه. ويؤكد خريس أن التجربة أثبتت أن الاحتلال لا يتراجع تلقائياً بفعل الزمن أو التفاوض وحده، مشدداً على أن المراجعة والتقييم ضرورة بشرية، لكنها تختلف جذرياً عن الاستسلام لفكرة أن الهزيمة قدر نهائي لا يمكن تجاوزه.

 التحول المفصلي: من الرهان الخارجي إلى المقاومة من الداخل

وأمام هذا الواقع المرير، كان لا بد للمسار الفلسطيني أن يتغير؛ فبعد عقود طويلة من الرهان الخاسر على الجيوش والمنظومات الخارجية، انتقل الفلسطينيون إلى بناء تجربتهم الخاصة، معتمدين على مقاومة وطنية صلبة تدير المعركة بالكامل من الداخل وتصنع قرارها بيدها. وتمكن هذا التحول من محاربة أخطر ما خلفته النكسة وهو "ترسخ شعور طويل بالعجز في الوعي الجمعي"، ليثبت الشعب الفلسطيني ميدانيا أن الهزائم ليست ثابتة وأن موازين القوة قابلة للتحول عندما ترفض الشعوب تحويل الانكسار إلى قدر دائم.

هذا الاعتماد على الذات تبلور بشكل غير مسبوق في معركة "طوفان الأقصى"؛ فخلافا لحرب الأيام الستة الخاطفة عام 1967، ألحقت المقاومة في غزة خسائر وضغوطا غير مسبوقة بالاحتلال الإسرائيلي، وحوّلت أطول حرب في تاريخ القطاع إلى معركة استنزاف مفتوحة كسرت هيبة جيش الاحتلال المرتكزة على أوهام "الجيش الذي لا يُقهر.

صياغة المعادلة الجديدة وتغيير وجه المنطقة

وفي ذروة هذا التحول التاريخي، كتبت غزة اليوم بصوت معادلة جديدة في الصراع؛ فبعد عقود طويلة على مشاهد اللجوء، والتهجير، وجد الاحتلال نفسه لأول مرة أمام مقاومة شعبية قادرة على المبادرة والاشتباك المباشر من مسافة صفر، وإيقاع خسائر فادحة في آلياته وجنوده بالرغم من فارق القوة العسكرية الهائل والترسانة المدمرة التي يمتلكها.

ويرى مراقبون أن غزة تمكنت عبر صمودها الأسطوري من إعادة صياغة الوعي العربي والإسلامي؛ فبينما أسست نكسة 1967 لثقافة الهزيمة والتسوية، جاءت المعارك الحالية لتعيد الاعتبار لخيار الصمود والمقاومة كطريق وحيد وفعّال لاسترداد الحقوق، معتمدا على حاضنة شعبية صلبة ترفض الانكسار أو التهجير مجددا وتثبت أن الشعوب قادرة على إعادة صياغة مستقبلها ومساءلة واقعها.

 المصدر : شهاب


| رمز الموضوع: 418117