الاثنين 8 ذوالحجة 1447 
qodsna.ir qodsna.ir

وهْمُ "الوزير المارق": حينما تُرخص أوروبا قيمها على مذبح التواطؤ

إلى القادة السياسيين في القارة العجوز، وإلى الرأي العام الأوروبي الذي لم يعد ينخدع بالظواهر:

في كل مرة يُرتكب فيها فَصل جديد من فصول الوحشية الإسرائيلية المعلنة، تهرع العواصم الأوروبية إلى سيناريو مُعاد: إصدار بيان استنكار، ثم فرض عقوبات شكلية على وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، كما لو كان "خروفاً أسود" شارداً من قطيع، أو "مارقاً" يخالف قواعد النظام الذي ينتمي إليه. ثم تعود بعد ذلك الأمور إلى نصابها: صفقات أسلحة، تعاون أمني، وتدفق للغاز الإسرائيلي.

هذه الاستراتيجية الأوروبية لم تعد تخدع أحداً. إنها ليست مجرد ازدواجية معايير؛ إنها عملية غسل ضمير جماعية، وتواطؤ هيكلي يمنح الغطاء لسياسات إبادة ممنهجة، ويرتدي ثوب "المساءلة الفردية" المريح.

أولاً: بن غفير ليس استثناءً، بل هو التعبير الأكثر صدقاً عن النظام

إن محاولة فصل بن غفير عن مؤسسات الدولة الإسرائيلية هي مغالطة سياسية ساذجة. فكل ما يفعله:

قانون "إعدام الأسرى" الذي مرره الكنيست بأغلبية ساحقة.

تحويل السجون إلى غرف تعذيب حيث قُتل أكثر من 130 أسيراً في عهده.

تفويض قتل الأطفال في الضفة والقدس.

تسليح مئات الآلاف من المستوطنين وتحويلهم إلى ميليشيات نظامية.

اقتحام المسجد الأقصى بتأمين رسمي.

كل هذه الأفعال لم تكن لترى النور لولا دعم كامل من: رئيس الحكومة، الجيش، القضاء، والكنيست بكامل هيئاته. بن غفير ليس مارقاً؛ هو "الوجه الجسور" الذي كشف القناع عن أجندة ظلت لسنوات تُمارس بهدوء تحت عناوين "الأمن" و"الضرورة". صمت المؤسسات الإسرائيلية الأخرى على أفعاله هو دليل على التطابق المطلق، وليس على الخلاف.

ثانياً: ازدواجية المعايير – اختبار إيران كمرآة فاضحة

لنكن صريحين: كيف تتعامل أوروبا مع أي خطأ فردي في إيران أو روسيا؟ ضابط شرطة يخطئ في التعامل مع موقف؟ تحملون القيادة بأكملها المسؤولية، وتفرضون عقوبات على المصرف المركزي، ووزارة النفط، وقيادات الحرس الثوري، بل وتحاكمون النظام ككل بتهمة "جرائم ضد الإنسانية".

أما مع إسرائيل: وزير أمن يتفاخر بقتل الأسرى وتجويعهم وتعذيبهم، وتتبعه حكومة بأكملها تصفق له وتمنحه الصلاحيات، فترد أوروبا بـ"حظر سفر" عن الوزير فقط، وتستمر في شراء الغاز من حقول "ليفيثان" التي تحرسها مدمرات حربية أوروبية.

هذه ليست ازدواجية معايير فقط. هذا إفلاس أخلاقي مُنظَّم، وتطبيق لسياسة "القوة تحمي نفسها، بينما الضعفاء يُعاقبون".

ثالثاً: عقوبات "بن غفير وحدَه" – طهارة رمزية بثمن بخس

إن حصر العقوبات في شخص بن غفير، بينما تظل بقية أركان النظام الإسرائيلي (رئيس الوزراء، وزير الجيش، رئيس الأركان، رئيس المحكمة العليا) خارج أي مساءلة، هو بمثابة محاولة إطفاء حريق هائل برش حفنة ماء على جمرة صغيرة.

هذه الاستراتيجية تؤدي وظيفة مزدوجة:

أوروبياً: تمنح الحكومات الأوروبية غطاءً لتقول "نحن فعلنا شيئاً"، وتمتص غضب الرأي العام.

إسرائيلياً: تبعث برسالة مفادها "أنتم آمنون، فقط غيّروا الوجه المزعج"، مما يشجع بقية النظام على المزيد من التطرف.

والنتيجة: تتحرك "نافذة أوفرتون" السياسية باستمرار نحو اليمين. ما كان يعتبر قبل عقد "خطاً أحمر" (كإعدام الأسرى، أو الضم التدريجي للضفة) أصبح اليوم "أمراً واقعاً" يتم التعايش معه، لأن أوروبا علّمت العالم أن عقابها لا يتجاوز الإجراءات الرمزية.

رابعاً: أمريكا الراعي الأكبر، وأوروبا الشريك الصامت

لا ندّعي أن أوروبا وحدها المسؤولة. فالولايات المتحدة هي الراعي الأكبر لهذه القذارة: تمويل سنوي بـ 3.8 مليار دولار، فيتو في مجلس الأمن لحماية مجرمي الحرب، واستقبال بن غفير نفسه في الكابيتول بتصفيق حار من الحزب الجمهوري.

لكن دور أوروبا هو الأكثر خزياً: لأنها تدّعي التمسك بالقيم الإنسانية، وتطلق تصريحات الاستنكار الرنانة، ثم تكتفي بـ"لطمة خفيفة على رسغ الوزير" بينما تواصل شراكتها الاستراتيجية الكاملة مع النظام الذي يرأسه.

أوروبا اليوم هي "الشاهد الصامت" الذي يرى الجريمة بعينيه، ثم يغلق عينيه ويقول "لم أرَ شيئاً"، ويواصل التوقيع على عقود الغاز والأسلحة.

الخلاصة: إما العدالة للجميع، أو فضح النفاق للأبد

إذا كانت أوروبا جادة في حماية "النظام الدولي القائم على القواعد" وفي الإيمان بـ"عالمية حقوق الإنسان"، فليس أمامها اليوم سوى خيارين لا ثالث لهما:

الخيار الأول: التعامل مع إسرائيل كما تتعامل مع أي دولة أخرى. فرض عقوبات شاملة على مؤسسات النظام التي تدير الاحتلال والإبادة، ووقف تدفق السلاح، ومقاطعة المستوطنات، والمضي قدماً في مقاضاة قادة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية ليس كأفراد، بل كحكومة مسؤولة.

الخيار الثاني: الاعتراف الصريح بأن "القيم" كانت مجرد شعارات، وأن "حقوق الإنسان" لا تنطبق على حلفاء واشنطن، وأن أوروبا تختار ببساطة أن تكون شريكاً في الجريمة بدلاً من أن تكون طرفاً في العدالة.

أما الاستمرار في "معاقبة بن غفير وحده" بينما تبقى الآلة الإجرامية بأكملها تعمل بأقصى طاقتها، فذلك ليس سوى وهْمِ المحاسبة، وهو أقذر أشكال التواطؤ.

إما العدالة للجميع، أو ليُرفع قناع النفاق الأوروبي إلى الأبد.


| رمز الموضوع: 417772







المستعمل تعليقات

الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
  1. الأدميرال سياري: طريق نجاح البلاد يمر عبر درب الشهداء
  2. الشيخ قاسم: نزع سلاح المقاومة هو نزع لقدرة لبنان الدفاعية تمهيدًا للإبادة / إيران ستخرج منتصرة وفلسطين ستبقى البوصلة
  3. خلال لقائه قائد الجيش الباكستاني؛ قاليباف: لن نتنازل عن حقوق شعبنا وبلادنا وقواتنا المسلحة أعادت بناء قدراتها
  4. غريب آبادي: ايران مستعدة لمواجهة أي عدوان عسكري.. لا معنى للاستسلام إما ننتصر او نستشهد
  5. "معاريف": اغتيال الحداد لن يغيّر المعادلة وحماس باقية وفشل إسرائيلي في تحقيق “النصر"
  6. الإعلام العبري يعترف.. إخلاءات شبه يومية لجنود أصيبوا بمسيرات المقاومة
  7. السيد الحوثي يحذر من تصعيد صهيوني جديد في المنطقة
  8. 'دلافين' الجيش الخفيفة تنتشر بمضيق هرمز لمواجهة بوارج العدو
  9. انسحاب لاعبة تنس إيرانية من مواجهة ممثلة الكيان الصهيوني
  10. تحرُّش وضرب وسحل.. شهادات عن انتهاكات خلال احتجاز ناشطي "أسطول الصمود"
  11. استطلاع معاريف : تحالف "بينيت ـ أيزنكوت وليبرمان "يهدد حكم نتنياهو ويمنح المعارضة أغلبية حاسمة
  12. لليوم الـ209.. الاحتلال يواصل خرق وقف إطلاق النار وتصعيد ميداني يفاقم كارثة غزة
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)