رفاق الإيمان.. حين تصبح المحبة لغة الأديان
الفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب هي أن الحوار بين الأديان لا ينبغي أن يظل شعارًا نظريًا أو مجرّد مجاملة ثقافية، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى التجربة الحيّة والمعرفة المتبادلة العميقة، وأن يغدو جسرًا إنسانيًا أصيلًا يصل بين القلوب والعقول..
د. عباس خامه يار* : في زمن بات العالم فيه أكثر معاناة من سوء الفهم الديني، والانقسامات الثقافية، وصراعات الهويات، أؤمن أن العودة إلى "اللغة المشتركة بين البشر" أصبحت ضرورة لا مفر منها. لغة لا تقوم على إلغاء الاختلاف، بل على البحث عن حقيقة واحدة كامنة في قلب التعدد، حقيقة جوهرها المحبة والعدالة وكرامة الإنسان.
ومن هذا الأفق الإنساني والروحي، يأتي كتابي الجديد "هَمْباوَران" (المؤمنون معاً، روايات من التعايش مع أدباء مسيحيين مولعين بأهل البيت ومحبين لإيران)، بوصفه ثمرة سنوات طويلة من العيش المشترك، والمعاشرة، والحوار، والتآلف الإنساني مع أدباء وشعراء ومفكرين ورجال دين مسيحيين في لبنان وسائر الأقطار العربية؛ رجال ونساء حملوا في قلوبهم مودة أهل بيت رسول الله، ورددوا اسم الإمام علي والإمام الحسين بكل توقير ومحبة، ورأوا في سيرتهما تجسيداً أعلى لمعنى العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
منذ مطلع شبابي، كان اسم اللبناني، جورج جرداق، يسكن وجداني بوصفه ظاهرة إنسانية وأدبية فريدة. لم يكن بالنسبة إلي مجرد أديب مسيحي، بل إنساناً حراً وجد في مدرسة الإمام علي، المعنى الأسمى للعدالة الإنسانية، فخلّد ذلك في عمله الموسوعي الشهير "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية".
ومنذ تلك الأيام البعيدة، راودني حلم اللقاء بهذا الرجل الذي جمع بين الإيمان والأدب والحرية الروحية، حتى شاءت الأقدار أن يتحقق ذلك الحلم في لبنان، ليفتح في حياتي باباً واسعاً من التأمل والمعرفة الإنسانية.
حين دخلت بيت جرداق للمرة الأولى، شعرت أنني أدخل فضاء مفعماً بالإيمان والصفاء والمحبة. وفي جلساتي الطويلة معه ومع غيره من المفكرين والأدباء المسيحيين، اكتشفت أن كثيرين منهم كانوا يرون في الإمام الحسين تلك الحقيقة الروحية نفسها التي يبحثون عنها في سيرة السيد المسيح. حقيقة الألم من أجل خلاص الإنسان، والثبات في وجه الظلم، والفداء في سبيل الحق.
لقد كانت كربلاء بالنسبة إليهم أكثر من حادثة تاريخية تخص المسلمين. كانت رمزاً إنسانياً خالداً لمعاناة الإنسان في مواجهة الطغيان، وصوتاً دائماً للضمير الإنساني في كل زمان ومكان. وكانوا يجدون في البكاء على الحسين صدىً روحياً لذلك الحزن المقدس الذي حملته الذاكرة المسيحية عبر القرون، ويرون في تضحية الحسين امتداداً لمعنى الفداء الإلهي في أعمق تجلياته الإنسانية. أما الإمام علي، فقد رأوا فيه المثال الأسمى للعدالة والحكمة وكرامة الإنسان، ومرجعاً أخلاقياً يتجاوز حدود الدين إلى فضاء الإنسانية الجامعة.
ومن خلال تلك التجارب، أدركت أن المحبة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود المذهبية والدينية، وأن القيم الكبرى التي جاء بها الأنبياء والأولياء يمكن أن تجمع القلوب مهما اختلفت العقائد والانتماءات. فحين يتحدث الإنسان من موقع الصدق، ويصغي من موقع الاحترام، تتلاشى المسافات بينه وبين الآخر.
وخلال سنوات إقامتي في لبنان، نشأت بيني وبين عدد كبير من هؤلاء الأدباء والمفكرين ورجال الدين المسيحيين صداقات عميقة تجاوزت حدود اللقاءات الثقافية التقليدية، حتى غدت علاقات إنسانيةً وعائليةً صادقة. وفي تلك المعايشات، رأيت الإيمان متجلياً في صور متعددة، واكتشفت أن الإنسان، حيثما كان، إذا حمل روح الحقيقة والعدالة، اقترب من أخيه الإنسان مهما تباعدت المسافات.
إن "هَمْباوَران" ليس مجرد كتاب عن الحوار بين الأديان، بل هو شهادة حية على إمكان اللقاء الإنساني الصادق بين أتباع الرسالات السماوية. هو رواية سنوات عشتها بين رنين الأجراس ونداء المآذن، فتعلمت في كل لقاء شيئاً من الإيمان، وارتويت في كل محبة معنى جديداً للإنسانية، واكتشفت أن الاختلاف حين يفهم بوعي، يصبح مصدر غنى لا سبب صراع.
واليوم، في زمن شوه فيه التطرف والتعصب صورة الدين، تبدو الحاجة ماسة إلى استعادة هذا الجوهر الإنساني النبيل الذي تقوم عليه الرسالات السماوية؛ جوهر الرحمة، والعدالة، والمحبة، واحترام الإنسان، وإعادة الاعتبار للحوار بوصفه طريقاً إلى الحقيقة لا وسيلة للجدل.
لقد حاولت في هذا الكتاب أن أقول إن الحوار بين الأديان لا ينبغي أن يبقى شعاراً نظرياً أو مجاملةً ثقافية، بل لا بد أن يتحول إلى تجربة حياة ومعرفة متبادلة، وإلى جسر حقيقي يصل بين القلوب، ويعيد للإنسان ثقته بالإنسان.
وهذا الكتاب هو حصيلة سنوات من الأحلام، والصداقات، والحوارات، والمحبة؛ حلم بدأ مع اسم جورج جرداق، واستمر في وجوه جميع المسيحيين المحبين لأهل البيت، أولئك الذين رأوا في المسيح الحسين، ووجدوا في الحسين صورة أخرى للمسيح.
وأهدي هذا العمل، بكل ما يحمله من ذكريات وعواطف وتجارب إنسانية، إلى أبناء وطني الأعزاء، وإلى 15 أديباً ومفكراً ورجلَ دين مسيحياً، ممن التقيت بهم خلال سنوات حضوري في لبنان والعالم العربي، فكانوا بأخلاقهم ومحبتهم وإيمانهم الصادق جسوراً للنور والتلاقي الإنساني، وأسهموا في ترسيخ معنى الحوار الروحي العميق بين الكنيسة والمسجد، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وفي تأكيد أن المشتركات الإنسانية أعمق من كل اختلاف، وأبقى من كل خلاف.
وكما يقول الإمام علي: "الناس صنفان؛ إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".
_____
*نائب رئيس جامعة الاديان والمذاهب في الشؤون الثقافية – إيران
الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS