غزة: حين تتحوّل
الهدنة إلى إدارة للموت
عبدالناصر سعيد
في الحروب التقليدية، يُفترض أن تكون الهدنة استراحة من الموت. أما في غزة، فقد غدت شكلاً آخر من أشكاله: أقل ضجيجاً ربما، وأكثر بطئاً، لكنها لا تقل فتكاً ولا تقل قسوة. هنا، لا يتوقف الموت عندما يهدأ القصف؛ بل يبدّل أدواته فقط. يتراجع صوت الطائرات قليلاً، ليتقدم الجوع. تخفّ الغارات لبعض الوقت، فتتكفل العدوى، وسوء التغذية، وانهيار الطبابة، بإكمال ما بدأته النار.
هذا هو المشهد الحقيقي في القطاع اليوم: ليس سلاماً مؤجلاً، ولا تهدئة هشة فحسب، بل إدارة منظمة للانهيار الإنساني، على نحو يجعل الحياة نفسها عبئاً يومياً شاقاً، ويحوّل البقاء إلى معركة لا تقل وحشية عن الحرب المعلنة.
وبينما يدور الوسطاء بين العواصم، من القاهرة إلى الدوحة إلى إسطنبول، لإنقاذ مرحلة ثانية من اتفاق يبدو أنه وُلد مستنزفاً، تتسع المسافة بصورة فادحة بين اللغة الدبلوماسية الباردة والواقع العاري على الأرض. هناك، داخل غزة، لا تبدو مفردات من قبيل “خفض التصعيد” و"التهدئة" و"المسار التفاوضي" سوى عبارات شديدة التهذيب لوصف عالمٍ يتداعى من داخله. أب يحمل طفلته إلى عيادة لا دواء فيها. أمّ ينهار حملها لأن جسدها لم يعد يجد ما يغذيه. رضيع تنهشه الجرذان في خيمة نزوح، لا على سبيل المجاز الأدبي، بل بوصفه تفصيلاً يومياً في الجغرافيا الجديدة للبؤس.
ليست هذه كارثة طبيعية، ولا أثراً جانبياً عابراً لحرب طويلة. ما يحدث في غزة هو تفكيك متدرج لشروط الحياة: الماء لا يصل بما يكفي، الغذاء لا يدخل بما يكفي، الدواء يُستنزف أو يُمنع، البنية التحتية تُسحق، والمجتمع يُدفع دفعاً إلى حافة العجز الكامل. وهذه ليست نتيجة ثانوية للمواجهة، بل صارت، في جوهرها، أحد أساليبها الأساسية.
الهدنة التي لا توقف شيئاً
تبدو الأرقام، أحياناً، أكثر بلاغة من أي وصف. منذ بدء سريان آخر هدنة في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قُتل في غزة 837 فلسطينياً، وأُصيب 2,381 آخرون، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. هذه ليست حصيلة “سلام مرتبك”، بل دليل على أن الهدنة نفسها لم تكن، في التطبيق، سوى صيغة رخوة لحرب مستمرة بأدوات متبدلة.
فقد قُتل ثلاثة ضباط من وزارة الداخلية في غزة في غارة استهدفت نقطة حراسة غرب مدينة غزة قبل يومين فقط. واستُشهد عزام الحية، نجل القيادي في حركة حماس خليل الحية، متأثراً بإصابته في غارة سابقة، ليغدو الابن الرابع الذي تفقده العائلة في هذه الحرب. وعلى الرغم من أن مثل هذه الوقائع تُدرج نظرياً في خانة “الخروقات”، فإن التسمية نفسها تبدو مضللة؛ إذ كيف يمكن وصف ما يتكرر يومياً على أنه استثناء؟ عندما يصبح خرق الهدنة هو القاعدة، تفقد الهدنة معناها، ولا يبقى منها إلا الاسم.
من هذه الزاوية تحديداً، لا تبدو المفاوضات الجارية في إسطنبول مجرد مسار سياسي متعثر، بل تعبيراً عن خلل أعمق: العالم يتفاوض على الأشكال، فيما تتآكل الحقائق الأساسية للحياة في غزة يوماً بعد يوم. الوسطاء يحاولون إنقاذ الاتفاق، لكن أحداً لا يبدو قادراً، أو راغباً، في إنقاذ الناس الذين يُفترض أن يحميهم هذا الاتفاق.
الحرب التي لا تُرى فوراً
إذا كان القصف هو الوجه الأكثر ظهوراً للحرب، فإن ما يجري داخل المخيمات، والمستشفيات الميدانية، ومراكز الإيواء، هو وجهها الأكثر دلالة. هنا، تتكشف حرب أخرى: حرب على الجسد البشري نفسه، على مناعته، على احتماله، على قدرته البدائية على النجاة.
حين حذرت وكالة الأونروا من أن الجرذان تعض الأطفال ليلاً داخل الخيام، لم تكن تصوغ صورة صادمة لجذب الانتباه، بل كانت تصف عالماً انهارت فيه الحدود الدنيا للكرامة الإنسانية. الاكتظاظ الكارثي، تدمير شبكات الصرف الصحي، انعدام المياه النظيفة، تراكم النفايات، غياب الوقاية الأساسية؛ كل ذلك لا ينتج مجرد ظروف معيشية صعبة، بل ينتج بيئة موت بطيء، حيث يتحول المرض إلى قدر جماعي، والعدوى إلى جزء من روتين الحياة.
وفي هذا السياق، يبدو تقرير أطباء بلا حدود واحداً من أكثر الوثائق قسوة وإدانة. فالمنظمة لم تكتف بوصف سوء التغذية بوصفه أزمة إنسانية، بل وصفته بأنه “مصنوع بالكامل”. هذا التوصيف مهم، لأنه ينقل المسألة من حيز الأسف الأخلاقي إلى حيز المسؤولية السياسية. عندما تعاني أكثر من نصف النساء الحوامل اللواتي راجعن العيادات من سوء التغذية، وعندما يولد 90% من أطفالهن قبل الأوان، وعندما تتضاعف وفيات المواليد الجدد بينهن، فإننا لا نكون أمام خلل عابر في الإمداد، بل أمام بنية حرمان أُنتجت على نحو منهجي.
من هنا تكتسب شهادة الأطباء المحليين وزنها الحقيقي. فحين يقول طبيب أطفال في خان يونس إنه، بعد أكثر من عقدين في المهنة، لم يشهد من قبل مواليد بوجوه رمادية وعيون غائرة لأن أمهاتهم لم يجدن ما يأكلنه، فهو لا يقدم وصفاً طبياً فحسب، بل شهادة تاريخية على نوع جديد من التدمير: تدمير المستقبل وهو لا يزال في الأرحام.
حين تُستخدم ضروريات الحياة كسلاح
ليست فرادة غزة في حجم الألم فقط، فالعالم مليء بمناطق منكوبة ومنسية. فرادتها تكمن في الدقة التي تُدار بها القسوة. ليس الموت هنا دائماً نتيجة قنبلة مباشرة؛ كثيراً ما يكون نتيجة تأخير شاحنة، أو منع دواء، أو تدمير بئر، أو إطفاء مولد كهربائي، أو ترك مستشفى يعمل خارج الزمن الطبي الحديث.
إن تحويل الغذاء والماء والدواء والكهرباء إلى أوراق ضغط سياسية ليس مجرد سلوك خشن في الحرب، بل هو، في أحد أوجهه، إعادة تعريف للمدنيين أنفسهم بوصفهم ساحة استنزاف. فبدلاً من أن يُنظر إليهم كفئة يجب حمايتها، يُعاد إدراجهم ضمن معادلة العقاب والضغط والإخضاع.
تقول إسرائيل إنها تسمح بدخول مساعدات “كافية”، وتحمّل حماس مسؤولية تحويل الإمدادات. لكن التوثيقات التي قدمتها منظمات حقوقية دولية — من بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية — ترسم صورة مختلفة: قيود ممنهجة على الشاحنات، بطء متعمد في إجراءات التفتيش، وتدمير للبنى الأساسية التي تجعل أي مساعدة قابلة للتحول إلى حياة. فماذا تعني شاحنة طعام إن كانت المياه ملوثة؟ وماذا يعني دواء يصل إلى قطاع لا كهرباء فيه لحفظه؟ وماذا يعني الحديث عن “إدخال المساعدات” إذا كانت البيئة التي تستقبلها مصممة على نحو يمنعها من أداء وظيفتها؟
هذه هي الحلقة المركزية في مأساة غزة: المساعدة تُستدعى خطابياً، ثم تُفرغ عملياً من معناها.
التواطؤ الدولي بوصفه بنية لا موقفاً
ربما لا تكمن الفضيحة الكبرى فقط في ما تفعله إسرائيل، بل أيضاً في ما اختار العالم أن يعتاد عليه. فمع طول الحرب، بدا وكأن قسماً واسعاً من النظام الدولي طور قدرة مذهلة على التكيّف مع المشهد: بيانات قلق، دعوات إلى التهدئة، حديث عن “الاحتياجات الإنسانية”، ثم استمرار في السياسات نفسها التي تسمح بتجدد الكارثة.
المسألة هنا ليست أخلاقية فقط، بل سياسية بامتياز. إذ لا يمكن لحكومة غربية تدعم إسرائيل عسكرياً أو دبلوماسياً أو اقتصادياً أن تتحدث ببراءة كاملة عن المأساة، كما لو أنها تقف خارجها. النفوذ موجود، لكن الإرادة غائبة. وهكذا يصبح العجز الدولي، في أحد معانيه، شكلاً مقنّعاً من أشكال المشاركة.
ولا يعود السؤال، عند هذه النقطة، ما إذا كان العالم يعرف ما يجري. العالم يعرف، والتقارير موجودة، والصور حاضرة، والشهادات متراكمة. السؤال الحقيقي هو: لماذا لم يعد هذا القدر من المعرفة كافياً لتحريك الحد الأدنى من الفعل؟
الجواب الأكثر إزعاجاً ربما هو أن غزة لم تعد تُقرأ، في كثير من الدوائر الدولية، باعتبارها فاجعة ينبغي وقفها، بل باعتبارها أزمة قابلة للإدارة، قابلة للضبط، قابلة للتعايش الدبلوماسي معها، ما دامت لا تُربك التوازنات الكبرى أكثر مما ينبغي. وهنا تحديداً تكمن البشاعة: أن يتحول الموت الجماعي إلى ملف يمكن تنظيمه، لا إلى جريمة تستدعي القطع معها.
ما الذي يبقى من السياسة حين تفشل في حماية الحياة؟
تُختبر السياسة، في لحظاتها القصوى، بقدرتها على حماية الأحياء لا بإتقان صياغة البيانات. وإذا كانت كل هذه الجهود الدبلوماسية لا تستطيع أن تضمن لطفل في غزة حليباً، ولمريض أنسوليناً، وامرأة حامل غذاءً أساسياً، فالسؤال لا يعود عن فشل الوساطة فقط، بل عن معنى السياسة نفسها.
في غزة اليوم، لا يحتاج الناس إلى المزيد من اللغة. يحتاجون إلى استعادة أبسط مقومات الحياة. إلى فتح المعابر بصورة كاملة ومنتظمة. إلى تدفق غير مشروط للغذاء والدواء والوقود. إلى حماية المستشفيات والمرافق المدنية. إلى وقف جعل النجاة نفسها موضوعاً تفاوضياً.
لكن ما دام العالم يتعامل مع هذه المطالب بوصفها تفاصيل إجرائية، لا حقوقاً أصلية، فإن غزة ستظل محكومة بهذا الشكل المركب من العنف: عنف النار حين تشتعل، وعنف الحصار حين يهدأ كل شيء ظاهرياً.
طفلة لا تعرف أن الجوع ليس طبيعياً
في النهاية، قد لا تختصر المفاوضات كل ما يجري، ولا الأرقام، ولا حتى التقارير الأممية. أحياناً، يختصره مشهد واحد. أمّ في مخيم قرب رفح، سبعة أطفال، وأصغرهم طفلة في الثامنة عشرة من عمرها، لا يساوي وزنها وزن مولود سليم. لا تصرخ الأم، لا تبكي، لا تطلب المستحيل. تقول فقط إن ابنتها لا تعرف أنها جائعة، لأنها لم تعرف في حياتها معنى الشبع.
في هذه الجملة وحدها، يتكثف كل شيء: ليس فقط انهيار الحاضر، بل إعادة تشكيل وعي جيل كامل على أساس الحرمان. حين تكبر طفلة وهي تظن أن الجوع هو الوضع الطبيعي، فذلك لا يعني فقط أن المجتمع الدولي فشل في حمايتها؛ بل يعني أنه سمح بإعادة تعريف الحياة نفسها تحت سقف الكارثة.
لهذا، فإن ما يجري في غزة لا يجوز أن يُختزل في لغة المجاعة وحدها، ولا في مفردات الأزمة الإنسانية الباردة. نحن أمام جريمة تاريخية تُرتكب على مرأى العالم ومسمعه، وأمام عملية سحق منهجية لمجتمع كامل، في أجساده، وصحته، وذاكرته، ومستقبله. وقد وصفت جهات أممية وخبراء قانون دولي ومنظمات حقوقية ما يجري بتحذيرات جدية من الإبادة الجماعية أو بأفعال قد ترقى إليها. وفي الحد الأدنى، لا يحتاج الضمير الإنساني إلى حكم نهائي كي يدرك حجم الفظاعة.
غزة، في هذه اللحظة، ليست فقط مكاناً يتعرض للقصف أو الحصار؛ إنها الاختبار الأخلاقي والسياسي الأشد قسوة لهذا العالم. وحتى الآن، لا يبدو أن العالم ينجح فيه.