من هيتلر إلي نتنياهو
خيري رمضان
لم يعد ممكنا قراءة ما يحدث في غزة بمعزل عما يتوسع اليوم في الاقليم من إيران إلى لبنان حيث تتشابك الجبهات تحت خطاب واحد يتذرع بالامن بينما تتسع رقعة الدم. واذا كان التاريخ قد سجل ان ادولف هتلر برر توسعه في أوروبا بذريعة حماية المانيا، واستعادة مجدها فان المشهد الراهن يعيد إنتاج المنطق ذاته ولكن بأدوات حديثة وتحالفات مختلفة يتصدرها بنيامين نيتانياهو مدعوما سياسيا وعسكريا من دونالد ترامب في الحرب العالمية الثانية لم تكن الجرائم النازية وليدة لحظة، بل نتيجة خطاب طويل يقوم على التخويف وشيطنة الآخر وتبرير العدوان باعتباره ضرورة وجودية اليوم تتكرر اللغة نفسها لتبرير القصف واسع النطاق على غزة، ثم تمتد لتشمل الهجوم غير المبرر على ايران، والذي أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وأربك الاقتصاد العالمي عبر اضطراب اسواق الطاقة وسلاسل الامداد ما انعكس في ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة البطالة في دول عديدة.
ووفقا لتقارير أممية فان العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة منذ عام 2023 أدت إلى مقتل عشرات آلاف الفلسطينيين نسبة كبيرة منهم من النساء والأطفال إلى جانب مئات آلاف الجرحى والنازحين. هذا لا يشمل فقط ضحايا القصف، بل أيضا من ماتوا نتيجة الحصار وانهيار المنظومة الصحية ونقص الغذاء والماء وكل ذلك جرى في ظل دعم سياسي وعسكري واضح من إدارة ترامب. وفي لبنان تتكرر مشاهد القصف والتدمير حيث تتحول القرى الى ساحات مواجهة بدفع ثمنها المدنيون. اما في ايران فان الهجوم الأخير يمثل توسيعا مباشراً لدائرة الصراع دون مبررات موثقة أو أدلة دامغة وهو ما يثير تساؤلات حول الاهداف الحقيقية.
المقارنة مع هتلر ليست في التفاصيل، بل في نمط التوسع التدريجي، وخلق عدو دائم واستخدام القوة المفرطة مع تبرير اخلاقي هش. هتلر تحدث عن المجال الحيوى ونيتانياهو يتحدث عن الزمن القومي، لكن النتيجة واحدة مدن مدمرة وشعوب تسحق تحت آلة عسكرية الدور الأمريكي خصوصا في عهد ترامب لا يمكن تجاهله، فبدلا من الوساطة تحولت الولايات المتحدة الى شريك مباشر في ترسيخ واقع القوة عبر دعم غير مشروط سياسيا وعسكريا .
اليوم بينما تعقد مفاوضات في باكستان يبقى الامل ضعيفا في ظل طموحات توسعية واضحة ومشروعات ذات طابع استعماري بعد استمرار الجرائم الصهيونية ضد الانسانية وسط صمت يشبه صمت القبور لنردد نحن السابقين وانتم من نفس الكأس ستشربون، فالتاريخ لا ينسى ولا يرحم ومن يعتقد أن القوة وحدها تصنع الخلود يتجاهل دروسا كتبت بدماء الملايين ما يجرى اليوم ليس استثناء بل امتداد لمسار يتغذى على غياب العدالة وتواطؤ القوى الكبرى، حيث تتحول المعايير الى شعارات فارغة حين تصطدم بالمصالح السكوت الدولي لم يعد مجرد عجز بل اصبح موقفا ضمنيا يشرعن القتل ويمنح الغطاء لاستمرار التوسع والقمع، بينما تدفع الشعوب ثمن حسابات لا علاقة لها بها. وعندما تختل موازين العدالة إلى هذا الحد يصبح العالم شريكا في الجريمة لا شاهدا عليها فقط وتفقد القوانين الدولية معناها امام منطق القوة المجردة. وحين تتكرر المأساة بهذا الوضوح فلا يبقى السؤال ماذا يحدث، بل لماذا يسمح له ان يحدث، ومن المستفيد من استمرار هذا النزيف المفتوح.
الاجابة القاسية ان المصالح تتقدم على القيم وان الانسانية تصبح هامشا حين تتعارض مع النفوذ. وفي لحظة ما سيكتشف العالم ان تجاهل الظلم لم يلغ وجوده بل ضاعفه، وان النار التي تركت مشتعلة في مكان لن تبقى محصورة فيه، وان من ظن انه بمنأى عن نتائجها سيجد نفسه يوما في قلبها.
المصدر: الاهرام
الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS