الاربعاء 13 ربيع الاول 1443 
qodsna.ir qodsna.ir

جلال الدين الرومي؛ بين الشّعرِ والعرفانِ والفلسفة

بمناسبة الذكرى السنوية لتكريم الشاعر العارف جلال الدين المولوي الرومي، اقامت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان ندوة افتراضية تحت عنوان التصوّف والعرفان في الأدبين الفارسي والعربي شارك فيها نخبة من اهل الفكر والادب في العالم العربي وايران.

وكالة القدس للانباء(قدسنا) بمناسبة الذكرى السنوية لتكريم الشاعر العارف جلال الدين المولوي الرومي، اقامت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان  ندوة افتراضية تحت عنوان "التصوّف والعرفان في الأدبين الفارسي والعربي" شارك فيها نخبة من اهل  الفكر والادب في العالم العربي وايران.

 

بداية  تقديم من الكاتبة والمترجمة مريم ميرزاده ,بعدها كلمة افتتاحية  للمستشار الثقافي للجمهورية الاسلامية الايرانية الدكتور عباس خامه يار والذي قال :

 

هذا العام يصادفُ أن يكونَ يوم تكريم الشاعر العارف مولانا جلال الدين الرومي متزامناً مع يوم الترجمة العالمي، إذن احتفالُنا اليوم بالمترجمين كما بالشعراء والعارفين من المتصوفة في الثقافتين الفارسية والعربية. وكم جميلٌ أن يتزامن يوم المولوي مع يوم الترجمة، فلقد بلغت أشعارُ مولانا مسامعَ الشرقِ والغرب بفضلِ تأثير الترجمة والمترجمين.

 

اضاف الدكتور خامه يار "نحن اليوم ندينُ للمترجمين وترجماتهم بكل ما وصلنا من الأدب العالمي المعاصر وكل ما وصلَ من حضارتنا إلى مسامع العالم. حيث صار شعراؤنا عالميينَ وعرفانُنا عالمياً يدرسه الكبير والصغير من عشاق التصوف. وقد كان التبادل قائماً دائماً بين العرب والفرس على صعيد الفكر والثقافة والشعر والعرفان. ورغم اختلافات اللغة، إلا أنّ العرفان كان دائماً هذه اللغة العالمية الروحية التي تجتازُ الحدودَ والجغرافيا، وتبلغُ بالإنسانِ مبالغَ الارتقاء المعنوي والتهذيب الروحي".

 

ثم رحب الدكتور خامه يار بأساتذة الأدب والشعر والعرفان الحاضرين في الندوة الأدبية الثقافية، وأثنى على الدور الفعّال الذي تلعبُه دراساتُهم وترجماتُهم في إثراء الرصيد الأدبي للعالم الشرقي، العربي والإسلامي على وجه الخصوص.

 

وقال : الترجمة كانت بمثابة التبليغ بالعرفان الفارسي وكذلك العربي، حيث انفتح العالم العربي بعد ترجمة آثار المولوي على فضاءٍ جديدٍ وشاسع من المعنويةِ والروحانية ربما لم يسبق له أن عرفه بشكله هذا، مثل نمط المثنوي والرباعيات القصص الشعرية، وإنما بأشكالٍ مختلفة تتواءمُ مع الروح العربية، وهذا يعدُّ غنىً حضارياً يشهدُه تاريخ العلاقة التبادلية بين الثقافتين.

 

ثم ختم المستشار الثقافي للجمهورية الاسلامية الايرانية بكلمته بهذه الجملة:

أختصرُ الكلامَ مختتماً بعباراتِ مولانا

در هوايت بى قرارم روز وشب

سر زپايت برندارم روز وشب

مضطربٌ في هواكَ ليلَ نهار

لا أرفعُ عيني عن خُطاكَ ليلَ نهار

فذاك هو العشقُ الإلهي الذي يمحو كلَّ عشقٍ آخر عند الرومي.. وتلك هي شمسُ إشراقِه ومعانيه المتعالية التي أسرت العالمَ بألغازها

 

ثم تحدثت د. دلال عباس ـ الأستاذة في الجامعة اللبنانية والباحثة في الأدبين الفارسي والعربي عن تأثر الشيخ البهائي بشعر مولانا جلال الدين الرومي,بالاشارة الى  رموز التصوُّف والعرفان في شعر الشيخ البهائي، العربي والفارسي

 

فقالت الدكتورة عباس "ربما  سأل  البعض  ما هي  أهمّيّة الحديث عن الشعر العرفاني والشعراء العرفانيين في ظلّ ما تعانيه البشريّةُ اليومَ من أزمات على مختلِف الصُّعُد .   السؤال نفسُه متضمِّنٌ الجوابَ المفتَرض:

 

صحيح أنّ ما أبدعَه العقلُ البشريّ في ما يتعلّق بالتقدّم العلميّ وتطوّر التِقانة ، قد سخّر للبشر الأرضَ والفضاء ،وابتكر لهم الوسائل والأسباب المدهشة للراحة والترف ، فأرضى عقولهم وغرائزهم ، لكنّه عجز عن إرواء أرواحهم التي تتوق إلى ما وراء المادّة . في الوقت نفسه لم ينجح الفقهاء من أهل الظاهر أو "علماء الرسوم " في فهم الحقيقة أو إفهامها للعوام . لذلك  فإنّ العودة إلى شعر التصوّف والعرفان في التراث العالمي  والإسلامي ، إنّما هي عودةٌ  إلى ما في هذا التراث من روحانيّةٍ وقيم ومثلٍ عليا،  ربّما استطاعت أن تخفّف من آلام الإنسانيّة، وتوفّر لها بعض السعادة".                  

 

سألت الدكتورة عباس "ما هي نقطة الالتقاء بين المولوي والبهائيّ بالنسبة إلى موضوع التصوّف والعرفان؟

 

قبل الإجابة عن هذا السؤال  من المفيد أن نجيب عن التساؤل حول نقطة البدء للتصوّف الإسلامي بمعناه العام؛ هل تعاليمه برمّتها نشأت من الإسلام أوكما يقول علي بن عثمان الهجويري في "كشف المحجوب" : إنّ جذوره تنحدر من فرضيّاتٍ وأعمال زهديّةٍ لأصحابِ الصفّة، أو كما يُقال : أنّ مبادىء الاعتقاد في المسيحيّة كالرهبانيّة والمحبّة والسلام الكامل قد أثّرت في نشوء التصوّف ، أو أنّه تأثّر بالآراء العرفانيّة في البوذيّة والهندوسيّة وبالفلسفة الأفلاطونيّة المُحدَثة التي تتّسم بالعرفان الحادّ أو معتقدات الأديان الإيرانيّة القديمة  ـ لا سيّما المانويّة ـ فأيًّا كان منشؤه الأصلي فهو مختلفٌ عن التصوّف الذي ظهر في العصر الإسلاميّ، ونضج متدرّجًا من بداية الإسلام، وتبدّل  من  زهدٍ فرديّ ، وتعبّدٍ شخصيّ إلى مدرسةٍ واسعةٍ ذات شُعبٍ متعدّدةٍ مصحوبةٍ بآدابٍ  وتقاليدَ مختلفة وأحيانًا متناقضة. فنشأ في مجرى هذا التطوّر تصوّفٌ يعتمدُ التزهّدَ  والعباداتِ المستمرّةَ  والإقبال على التوبة والتخلّي عن العلائق المادّيّة والرياضات الشاقّة، وهذه مدرسة أويس القرنيّ ( المتوفّى سنة ٣٧ ه ) والحسن البصريّ ( ٢١ـ ١١٠ ه ) وسواهما ؛ كما نشأ التصوّف المتسم بالعشق الذي يرتكز على العشق الروحاني الحقيقي.  في التصوّف المتّسم بالعشق ومدرسة العرفان التي ينتمي إليها المولوي نجد الصفاتِ الأخرى المنبثقةَ من العشق الحقيقيّ ومحبّةِ الله المتمثّلةِ بالزهد والورع والصبر والاستقامة والتوكّل ، والرضا  والتسليمِ للمشيئة الإلهيّة والفقر والفناء في الله. لذلك فإنّ جلال الدين المولوي في "المثنوي المعنوي " يذمّ الصوفيّين المزوّرين المتصنّعين الذين يشكّلون "الصوفيّة السلبيّة " ، وما يصحبها من  لؤم الصوفيّة اللئيمة المرائية  والمدنّسة بالمنكرات في إطار قصص تربويّة عذبة مباشرة أو غير مباشرة ، ويسخر بنظرة سلبيّة مليئة بالنقد  من سلوكهم وآرائهم، مقابل التصوّف الإيجابي المتّسم بالعشق ، الذي هو العرفان الإسلاميّ  نفسُه . تدلّ على ذلك مبادئه المستقلّة في العرفان الإسلاميّ علاوةً على تمجيدِه في المثنوي المعنوي وكتبه الأخرى المشايخ الكبار كما في قوله:

عارفان كه جام حقّ نوشيده اند / رازها دانسته وپوشيده اند

هر كه را اسرار حق آموختند /  مهر كردند ودهانش دوختند مثنوى  معنوى، دفتر٥، ص ٩١٨، ٩٣٦ ، ١٠٢١

العرفاء الذين تذوّقوا كأس الحقّ  / عَرَفوا الأسرار وأخفوها

الذين تعلّموا أسرار الحقيقةِ /  عَقَلوها وخاطوا  شفاههم( وأقفلوا أفواههم)]

 

فالشريعة عند مولانا نورٌ يُضيء جادّةَ الطريقة، اضافت عباس " وينطوي مصباحُها في مشكاة النبوّة.  وهو في رؤيته الكونيّة للعرفان يُعرضُ عن التصوّف المتّسم بالزهد المتطرّف، فهو يُخالف المتصوّفين الذين يختارون الوحدة والتخلّي عن الناس بغية الحصول على سكينة توفّر لهم فرصةَ العبادات الاستثنائيّة المرهِقة ، ونراه يتّجه اتجاهًا اجتماعيًّا ، ويرغب في موافقةِ الناس واصطحاب الصالحين ومجاراة الأصدقاء الروحانيّين، كما يخالف الرهبانيّة، وهو يُشير إلى هذا الأمر في كتابه المسمّى " فيه ما فيه" -فيه ما فيه، فروزانفر، ط٢، طهران ١٣٦٢ش، ص٢٤٣

                      الدكتورة عباس تحدثت عن  ما  بين التصوّف والفِقه في حياة البهائي  ( المهندس وعالِم الرياضيّات  والفقيه المجدّد)  وآرائه

 

 فقالت "نرى مهمًّا هنا أن نشير إلى العلاقة بين التصوّف والفقه في حياة الشيخ البهائي العمليّة وفي آرائه النظريّة؛ فهو على الرغم من عشرات الكتب التي ألّفها، ومن ممارسته التعليم طوال حياته، ومن نشاطه البارز والفعّال، كان أميَل إلى الزهد في الدنيا والتزام الصّمت، والبعد عن التماس العطاء من غير الله عزّ وجلّ، هذا الزّهد في الحياة الذي يظهر واضحًا جليًّا، في تشجيعه النفوس على التخلّص من ربقة المادة، كما يتضّح من نَفَسِهِ العرفانيّ الذي ظهر في سوانحه، وفي شعره العرفاني بالفارسيّة، وفي إكثاره من الحديث عن المتصوّفة وأخبارهم في كتابه: "الكشكول"، كما أنه يكثر، في هذا الكتاب ، وفي مثنوياته الشعرية، وفي قصّته النثرية" "موش وگربه" [القط والفأر ]، من التحذير من الدنيا والإقبال عليها، كما يُكثر من الترغيب بالآخرة والميل إليها، وينصح الإنسان بأن لا يطلب الدنيا للتمتّع بلذاتها، بل أن يطلبها لصالح يرجو إعانتَه أو طالح يخاف إهانتَه. (بهاء الدين العاملي ،الكشكول، .ط.أعلمي، ج1، ص 198 و210

         

لم يبتعد بهاء الدين العاملي، في تصوُّفه، عن الأساس النظريِّ للتصوّف، بوصفه حركةً نفسيّةً أو روحيّةً، فهو يبدأ من فكرة الوصول إلى المعرفة، من طريق "الكشف" أو "الإشراق" أو "الحدس"، والوسيلة العملية لذلك هي "مجاهدةُ النفس" وكبحُ شهواتها. والعارف، في نظر البهائي، هو الذي يصل إلى منبع الحقيقة بالمجاهدة، من طريق تصفية الباطن للوصول إلى الحقيقة المطلقة (السّر الأزلي)،  و"الشيخ هو الإنسان الكاملُ في علوم الشريعةِ والطريقةِ والحقيقةِ، البالغُ إلى حدّ التكتّم فيها لعلمه بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها، ومعرفته بدوائها وقدرته على شفائها... والعامّة هم الذين اقتصر علمهم على الشّريعة، ويُسمّى علماؤهم علماء الرسوم"   ( بهاء الدين العاملي ،الكشكول، .ط.أعلمي،ج3، ص 97".

 

وكما أنّ المولوي في المثنوي المعنوي يُزكّي الصوفيّة الإيجابيّة المتّسمة بالعشق ، وينظر إلى التصوّف السلبي نظرةً ساخطة،  رأت الدكتورة عباس ان البهائي يدعوإلى التّوفيق ما بين "الطّريقة" والشّريعة، في وقت أخذ التطرّف والغلّو من الفقهاء القشريين والمتصوّفة في عصره خطًّا تصاعديًا ناميًا، وحكم كل فريق على الآخر بالخروج على الجادّة. ويُجمِل موقفَ البهائي من الفقهاء والمتصوّفة العنوانُ الذي جعله في بداية مثنوي: "نان وپنير" (الخبز والجبن)، وهو: "فصل في ذم المنتقدين للحكمة وينكرون لطفائها وسرائرها من الغفلة والظلمة، وفي تفسير من تفقّه ولم يتصوّف فقد تفيْقه، ومن تصوّف ولم يتفقّه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقّق" (كليّيات شيخ بهائي ، مقدمة مثنوي "نان وپنير) ، ص١٤٤)

 

كان طبيعيًّا ان لا يبقى الشيخ البهائي في حدود الظّاهر في تعاطيه مع الدين، وقد غرف أوّلاً من نهج الإمام علي (ع)، ومن الصّحيفة السجّاديّة للإمام زين العابدين (ع)، وكانت "مناجاة المحبّين" للإمام السجّاد (ع) من أوائل النصوص التي كان يعلّمها لتلامذته، وهذا النّص من أوائل النصوص العرفانية في التراث الإسلامي، وقد نهل ،أيضًا، من ذلك التراث العرفانيّ الفارسي الذي امتدّ قرونًا.. واستعار الرموز التي استخدمها العرفانيّون ، لا سيّما المولوي كالخمرة والناي والببغاء والفيل وموسى ويوسف (ع)، لكنّنا نلاحظ أنّه وظّفها توظيفًا يخدم المعاني التي يقصدها ".  

 

ختمت الدكتورة عباس لذلك نرى أن عرفان الشيخ البهائي يتجلى في شعره الفارسي أكثر من تجلّيه في شعره العربي، وإن كنا نعثر في شعره العربي، لا سيّما الديني منه، على بعض  اللمحات العرفانيّة.

         

الشعراء العرفاء جميعهم يلتقون في التعبير المتقارب عن الحنين إلى الأصل الإلهي، والشوق إلى الصّفاء الذي يعيد، إلى الجنّة المفقودة والنعمة المرجوّة، نعمة اللقاء، والغرق في بحر السّر، والتخلّص من ربقة الجسد الكثيف؛ وذوق التصوف والعرفان فطريٌّ، وموهبة ربّانية لا تأتي كغيرها من العلوم بالاكتساب والبحث والدرس والجدل.. وللشعراء العرفاء مصطلحات وتعابير مجازيّة سطعت في أشعارهم، لا يفهمها أو يتذوقها إلا من تمرّس بقراءة هذا الشعر، وأدرك ما تعنيه هذه الرموز.. هذه التعابير المجازيّة لا تختص بالشعراء الإيرانيين وحدهم، وإنما هي في شعر العرفانيين الهنود ،أيضًا، والشعراء العرب من أمثال ابن الفارض ومحيي الدين ابن عربي، والسهروردي وغيرهم.

 

 من جهته د. قيصر مصطفى الأكاديمي والأستاذ الجامعي  في الأدب والنقد  من  الجزائر تحدث عن تأثير التصوف والعرفان  في الأدبين العربي والفارسي  فقال :

     لماذا الأدبين العربي والفارسي  تحديدا ؟  وقبل البداية أردت طرح السؤال علما أن التصوف والعرفان كان لهما تأثير على الأدب العالمي شرقا وغربا ، وطرح السؤال يلفت إلى طبيعة العلاقات التاريخية التي كانت وما زالت تربط بين الأدبين الفارسي والعربي  ، بحيث عقدت التوأمة بينهما  منذ أن  اعتنقت إيران الإسلام بخلفية ثقافية وحضارية مشهود لها ، وعلى يد الرحالة الأكبرالباحث عن نور الإسلام  ،  سلمان الفارسي الذي جاب الأقطار وعانى الأمرين  رقا وأسرا ، حتى وصل إلى غايته والتقى النبي محمدا  وحبيبه عليا بن أبي طالب  ،  وأسهم بالحرب التي كانت تدور رحاها بين  كفار قريش  وأنصاررسول الله  محمد الذين كانوا مايزالون يمثلون الأقلية .. كان المسلمون محاصرين  ومهددين فاقترح سلمان على المسلمين حفر خندق حول  معسكرهم  وشارك هو والنبي وعلي  بالحفر وتكسير الصخور، ويومذاك كانت الغلبة للمسلمين بعدما تمكن علي الشاب  من قتل عمرو بن ود فارس الجزيرة العربية ، ويومها تعانق سلمان مع علي وعانق النبي الأكرم الرجلين ، وبعد ذلك  بقليل وفي مرحلة لاحقة ، قال رسول الله عبارته المعروفة : سلمان منا أهل البيت....

   

ثم اضاف د. قيصر مصطفى "من هنا نبدأ فأمة الفرس هي الأمة الوحيدة التي اعتنقت الإسلام  بدون قتال  على خلفية ثقافية حضارية   راسخة باتت معروفة ، وظهرت نتائجها عندما  طهر الفرس الخلافة من رجس بني أمية ، ثم أسهموا ببناء حضارة الخلافة العباسية في بغداد ، كما  أسهموا بالحركة الأدبية العربية وأدخلوا العلوم على اختلافها  وكان منهم سيبويه والخوارزمي  وغيرهما كما كان منهم الشعراء كبشار  وأبي نواس  وآخرين ،  إن القوم أهل فكر وعلوم وأدب وثقافة ضاربة في عمق التاريخ  واعتناق الإسلام كان عن دراية واختيارإيماني معمق ومدروس ، وكان  سلمان  بوابتهم  إلى الإسلام والتصوف معا  وعلى مسامعه قال رسول الله "من عرف نفسه عرف ربه " وأخذ التصوف والزهد والعرفان  عن رسول الله وعن علي مباشرة وكان معه أبو ذر الغفاري...

     

ونتقل الزهد والتصوف مع سلمان  إلى إيران  كما انتقل الشعر والأدب  وتلاقح الأديان ، وقد تأثرا بالتصوف والعرفان  على أنهما يمثلان عمق الفلسفة الإنسانية".

     

نعم من هنا نبدأ  قال د. قيصر مصطفى " وبثلاثيتين  اثنتين الأولى : محمد وعلي وسلمان ، والثانية تصوف وعرفان وزهد  الأولى رسالية والثانية إيمانية ، واصبح الثلاثيان هذان ركنان أساسيين  وقاعدة للأدب والفكر ، وهل كان في التاريخ قاعدة لأدب شعب من الشعوب كتلك القاعدة المتكاملة المتماسكة  المتجانسة ، بحيث يشد بعضها بعضا  ولا تكاد عراها تنفصل ؟ وننطلق من الثلاثي الثاني  وكانت أركانه وقواعده تتباين  بعض الشيئ فأي الثلاثة أولى وأرسخ وأثبت من الآخر ؟ هنا نطلق العنان  للشرح والتعليل والفهم والتأويل  فالتصوف ليس علما  ينقل أو يدرس فيهذب ويشذب ويتعرض للإضافة والتعديل  ذلك أنه وفيض   وسجية وخاطرة  وإحساس وإلماعة ، تظهر بنفسها  وتختلج اختلاج الروح والنفس في الجسد ، وتتحرك من العمق لأنها  ترسم بريقا ولمعانا يخفت ثم  ،  يظهر ثم يختفي ، يدق الأبواب  ويحرك الألباب ،  ذلك أنه شعور دفين وإحساس مبين وعميق ،  ودفق من المشاعر لايستكين  وخفقة قلب  تنتفض ثم تهدأ ، إنه العاطفة والشعور والأحساس المرهف ، والعاشق المدنف يبكي ويضحك  يتألم ويؤلم إنه قلق  ويأس وخوف  واضطراب  وإحباط ،لا يكاد يهدأ حتى تحركه نسمة وتخفيه صدمة شعور عائم وفكر هائم  وألم نائم  ، توقظه الهواجس  وتنعشه الوساوس  ويذكي ناره التأمل  وطول التفكر ، يجعل الإنسان مضطربا متقلبا تائها لا يهتدي  في صحراء مترامية الأطراف ،شديد التباين والإختلاف ،  كثير الإطراق  يخاف من المستبل يفكر بالمجهول تضيق الدنيا في وجهه  وتعبس الأحلام في داخله ، يصارع الأوهام  وتخدعه  الأمنيات ويتساءل في ذات نفسه : إلى أين المسير وما هي النهاية وماهي الغاية ؟ ويصطدم بجدار صلب ويخبط وسط رمال متحركة كالناقة العشواء ،  يضل الطريق  وهو ليس مسدودا يبعد الأفق عنه  وهو قريب  ،  ثم ينظر إلى الشفق فيرسم له  الحزن الممض والنهاية الحزينة الباكية إنها النهاية....

  

يعود إلى الوراء فتغريه الدنيا بزخرفها وبهرجها ومداهنتها ، وتتألق أمامه كالحسناء  وتدفعه  الطموحات البلهاء ، وتشده  الملذات ويداعبه الغرور والحمق والبله إلى البحث في الزوايا  عن مصادر السعادة والمتعة  واللذة  ، وتتخايل أمامه الخمرة خادعة بسرابها الخلب ، وكؤوسها المترعة وسقاتها من غلمان وحسان فتتمايل هذه العناصر أمامه كتمايل الحسناء ، ويبحث عن الأسباب  فيكدس الأموال وتخدعه  بالملبس والمسكن والمأكل ، فينسى ما كان فيه قبل حين  ويطفو فوق بحر من الضياع ، وينسى ما بدأ به  ويسلك مع السالكين في العتمة  فيصيب من الدنيا مايصيب ، ثم لا يلبث بعد وقفة تأمل  أن ينكفئ فيضطرب ويشعر بالخيبة ليقول بلسان عاجز : ياللخيبة ؟ ربح تليه خسارة  ، أمل يليه يأس بنيان يتهدم  وثوب يتمزق  وملذات تهرب وتتلاشى ، ثم يتجسد الموت له  خنجرا قاتلا وسيفا مشهرا وموتا محتما لايرحم   : لا شيئ لا أمل  كل شيئ في هذا الكون  وهم والوهم يعالج بالوهم  ، ولا شيئ آخر  ويتراجع ليعود إلى ماضيه الأول  وتموت أحلامه وآماله وتفيض آلامه وتنطلق حسراته إنه الإنسان الضيف الضعيف ، والعاجز اليائس الخفيف ، والمحبط اليائس ، فإما أن يتعظ ولا يغالب الأقدار و يناطح الصخور ويستسلم بعد قنوط  فيقنع بالقليل ،  ويرى أن في القلة الخير وفي القناعة  ، وفي الرضى الراحة ، وهنا يعرف نفسه وبعد ذلك يعرف ربه ،  ويجد عليا يخاطبه ويقنعه للتو فيتصوف  ويميل إلى الصفاء  والهدوء  والإطمئنان ويخلد للراحة ويتوقف عن البحث عما هو زائل ، ويبحث عما هو دائم  وتلك هي المعرفة وذلك هو العرفان  ، وينطلق بعد ذلك إلى الزهد بالحياة والتقشف وشضف العيش ولينه بما يكفيه لمتابعة رحلته الدنيوية ،  والتخلي عن متاعها ومغرياتها  وبريقها ولمعانها ،  وينتظر بهدوء مصيره ويعتبر من سابقيه  ومعلميه  وبذلك يتحقق له  الإنتفاع بالثالوث الذي أمده به الثالوث الأول  فيحصد التصوف ثم العرفان وبعد ذلك الزهد...".

       

وهنا نتوقف لدخول باب الأدب  من أبواب الشعر والقصة والتاريخ  والتأمل  والصمت  الطويل  , فطرح د. قيصر مصطفى سؤالا:

 

ما هو الشعر،  الذي نبحث عنه وما هو الأدب الذي ندق أبوابه ؟ فهل يفتح لنا  وكيف ومتى هل هو شعر التكسب والمدائح واللهو والمجون والخمرة والتهتك ؟هل هو شعر التأمل والفلسفة  أم شعر الوصف  أم كل هذا مجتمع بقضه وقضيضه ؟ والشعر في معظمه يعيش في الوجدان والخاطر ، و نراه يقترب من التصوف  خاصة ما كان منه يخاطب المشاعر والأحاسيس والنفس  ويغرق نفسه في الحب والغزل والرثاء والبكاء على الأطلال  والسير وراء  الجنائز  والغادين والرائحين في البيد والفلاة ،  وليسقط من كل ماذكرناه  نوع واحد وهو المدح  ، وما بقي فهو صالح لأن يكون في خدمة التصوف أو يكون التصوف في خدمته ، فيتعانق الصنفان  ويتكاملان بحيث يكون  أحدهما في خدمة الآخر ، فلتبدأ رحلتنا معها  وسنكتشف بعد حين  أنه يصلح كما قلنا كله للتصوف ولكن بمستويات  متباينة ، ولكنها مسلسلة سلسة  تسير بتؤدة كالجدول الرقراق ، في الطريق الأحسن والأنسب والأصلح ، وهكذا ... فيكون شعر الحب والغزل  ويليه الرثاء ثم الوصف وشعر التأمل  وهذه كلها تصلح للشعر التصوفي فكيف ؟

      

أولا شعر الحب : هذا النوع من الشعر مختلف ومتضارب  وفي الأدب يصنفونه فيقسمونه  إلى نسيب وتشبيب  وصبابة  وهيام وتبتل ، فهذا كله  إن اختمر في النفس كان المطلوب ، وإن طفا على السطح ليس المرغوب ، وشعر الحب الذي ذكرناه يتسلل بهدوء إلى أحضان التصوف أما ماعدا ذلك كغزل عمر بن أبي ربيعة فلا ،  ولكن الغزل  القيسي  الذي ابتلي به العشاق  المعذبون  كوضاح اليمن وقيس ليلى  وجميل بثينة  وعنتر وعبلة وكليوباطرة  وروميو وجولييت  ولا مارتين  ، وكل العشاق الذين تعذبوا وهاموا  وحرموا من استكمال رحلة حبهم بلقاء طبيعي  ، فعانوا وتعذبوا وذاقوا الصبر والمر في حياتهم  وذهبوا ضحايا لحبهم وتبتلهم  وولههم  فهاموا وهاموا  وهلكوا نتيجة  عشقهم ....     و للعرب من هذا النوع شعر كثير

   ثانيا : شعر التعبد والمدائح الألهية  ومدح الأولياء

   ثالثا : شعر  الحكم والأمثال 

  رابعا : الشعر التعليمي كألفية إبن مالك والأجرومية وسواهما

  خامسا : شعر الرثاء .

 

سادسا : الشعر السياسي  كالمدح  والتكسب وشعر الحروب

    هذه بعض العناوين التي ينظم فيها الشعر والذي يهمنا  فيها بشكل أساسي شعر الغزل ، أي شعر الحب ، وقد يكون  شعر الرثاء وعلى قلة ، والشعر السياسي الذي يمجد الحروب والأنتصارات ، ومن هنا  نجد أن شعر الحب والغزل يحتل المرتبة الأولى  وهو الذي يحمل بين سطوره الكثير من الصدق والوفاء والشفافية والألم خاصة إذا ما كان المحب  محروما من لقاء الحبيب ومعذبا في بعاده وامتناعه ، وهذا ماعرفناه في جزيرة العرب  كما عرفناه لدى شعوب أخرى  كتلك التي أشرنا إليها قبل قليل".

  وإلى جانب التصوف  يقف الزهد  الذي كان علي ابن أبي طالب وسلمان الفارسي  على رأس من عملوا به ودعوا إليه بصدق وشفافية ،  قال سلمان لو كنت أستطيع أكل التراب لا كتفيت به ، وكان يحرم نفسه من أجل الفقراء الذين كان يشركهم بماله ، قل ذلك المال أو كثر ، وكذلك كان يصنع علي بن أبي طالب ،  وكان يقول مخاطبا الدنيا إليك عني يادنيا فقد طلقتك بالثلاث ... والدنيا مغرية  لمن يتبعها ويتابعها في الطلب وإيلائها الأهمية   القصوى ، وأهل الدنيا  وعشاقها  يبذلون المستحيل لأشباعها في لهوهم ومأكلهم ومشربهم وفي ملذاتهم التي لا تكاد تنتهي  ويكون الكأس  سيد مجالسهم  وشيخ شياطينهم فيقعون في أفخاها  ويخوضون في المحرم الممنوع ،  ومن الزهد أن تهجر الكل وتجاهد نفسك لمنعها  عن  شهواتها  التي تجول مابين المرأة والكأس ..

         إذن التصوف يقود إلى العرفان  قال د. قيصر مصطفى وهذا يقود إلى  الزهد ،  وفي الثلاثة  رياضة بمجاهدة النفس ومنعها عن  الإغراق في الملذات ، ومتع الدنيا ،والتصوف بعد ذلك  هو ظاهرة إنسانية  فكرية مرتبطة  بالإنسان وما يدور حوله وفي فلكه ،  والفكر التصوفي  يخضع لتموجات هي كتموجات البحر في تموجها  مدا وجزرا  ، علوا وارتفاعا ، غلوا  واعتدالا  ، تطرفا وتعقلا  ..  وهو في النهاية يصور  مدى عجز الإنسان  عن مواجهة العواصف  والأحداث ،  خاصة عندما يقف  في مواجهة  الموت  والفناء  ، ثم قدر وأدرك  أن نهايته  هي قدر محتوم وأن ما يعيشه ماهو إلا وهما  والوهم لا قيمة له ولا بقاء  ولا أثر ، ذلك أنه زائل وكان من العلماء من شن هجوما على المتصوفة دون تحديد واتهموهم بالمغالات والتطرف  ووصفوا تصوفهم بالظلال والبهتان  وأحيانا اتهموهم بالكفر والإلحاد  وتمكنوا من الإيقاع بهم لدى السلاطين  وراح ضحية لذلك السهروردي  والحلاج  وآخرون ، ولا نظن أن هذين العلمين كانا من الضالين ، ذلك أن الأول قتله صلاح الدين وهو موضع ريبة وشك ،والثاني قتله الخليفة العباسي  وكانت أم الخليفة  من المعجبات بتصوف الحلاج  والتزمت الحدا د عليه عاما  مما يؤكد أنه مات مظلوما  ،  إذن ظلم بعض المتصوفة كان يقع إما نتيجة سوء الفهم وإما بدسيسة سياسية كان يذهب الشيعة في الغالب ضحايا لها ، ذلك أن التصوف قد نما وتطور  وازدهر في أحضان من أسس له عرفانا وزهدا وصدقا  ، هذا ومن المتصوفة من غلا حقا  ، ومنهم من  التزم بميزان العقل  والرزانة والحكمة   ، وفي هذا الجو المشحون بالمتناقضات  رأينا  ما أشرنا إليه من المظالم التي لحقت بالكثيرين من صلحاء المتصوفة...

   وظهر  بعد ذلك  جلال الدين الرومي  ونظامي الكنجوي  والفردوسي  وغيرهم .. وعلى أيديهم  بلغ التصوف والعرفان القمة  وتركوا من الآثار ما سنكتب عنها فيما بعد ونكتفي هنا بالإشارة إلى هؤلاء الثلاثة إشارات عابرة  لأن التصوف  بحد ذاته شغل العالم  كل العالم ومن فيه من العلماء والنقاد والمتابعين ،  لأن التيار قد استقر أخيرا على أنه من العلوم الربانية والإنسانية والأخلاقية ، وله  ظواهره وإشراقاته لدى جميع أهل الفكر  والرأي  لدى مختلف الشعوب  شرقية كانت أم غربية ،  ابتداء من الهند فإيران  والصين  فاليونان وبغداد وروما ، وقد ارتبط بشفافية مريديه وأعلامه ، بقدر حساسيتهم وإدراكهم  وتفاعلهم  لمسارات الفكر  وتوغلهم في العمق  دون السطح  وهؤلا فيما تركوه من آثار خالدة هم المتصوفة  في مجملهم  وقد عبروا عن ذلك أحسن تعبير وفي ثنايا  تعبيراتهم  دعوا إلى التحلي بالقيم الإنسانية والعمل جنبا إلى جنب من

ـ جلال الدين الرومي

ــ  نظامي  الكنجوي

ــ   الفردوسي

ــ  عمر الخيام

ـــ عبد الله بن المقفع

          

ثم نشير  على عجالة قال د. قيصر مصطفى  إلى كل من تمت الإشارة إليهم في أجواء التصوف والعرفان  وهم : المتنبي  والمعري  وأبو تمام  وأبو نواس وأبو العتاهية ، والكثير من هؤلاء من  أشير إلى شعرهم  الصوفي أو العرفاني في سياق  ما قدماه عن علماء الصوفية والعرفان في إيران ، ختم د. قيصر مصطفى" والمحصلة أن الأدب والتصوف قد تعانقا واحتضن أحدهما الآخر  وهما متكاملان حقا ولا جدال في هذا". 

 

بعد ذلك  كلمة للدكتورة شيرين عبد النعيم محمد حسنين , أستاذ اللغة الفارسية وآدابها, وكيل كلية الدراسات العليا والبحوث الأسبق في  كلية الآداب جامعة عين شمس  بمصر

.(الاستلهام القرآني في مثنوي مولوي )كان عنوانها

 

 

 

 

 

ومما جاء فيها :

عندما نتحدث عن جلال الدين محمد البلخي المعروف بالرومي (ت. 673 هـ) و محيي الدين أبو بكر محمد الأندلسي المعروف بابن عربي ( ت 638 هـ) فإننا نتحدث عن قطبين من أقطاب التصوف و العرفان الإسلامي، شغلا أهل التصوف و العرفان و الباحثين في هذا المجال منذ القرن السابع الهجري حتى يومنا هذا. و قد سعت كثير من الدراسات إلى إثبات تأثر جلال الدين الرومي بابن عربي انطلاقاً من حقائق تاريخيةٍ عدّة مذكورةٍ في كتب موثوقة، ففي أكثر من كتاب، مثل: (مناقب العارفين) للأفلاكي (ت. 761 هـ) و شرح كمال الدين خوارزمي (ت. 840 هـ) على (مثنوى معنوى) الموسوم بـ (جواهر الأسرار) و غيرهما ذُكر اللقاء الذي حصل بينهما في دمشق، فقد سافر الرومي مع أبيه بهاء ولد المعروف بسلطان العلماء إلى حلب سنة 630 هـ، و انتقلا بعدها إلى دمشق و أقاما فيها بين أربع سنوات إلى سبع سنوات على اختلاف الروايات، و قد كان ابن عربي في تلك الفترة مقيماً في دمشق من سنة 620 هـ إلى سنة 638 هـ (تاريخ وفاته) حيث كان منشغلاً بالرياضة و التأليف. و في ذاك اللقاء قال ابن عربي عبارته الشهيرة: " سبحان الله! محيط يمشي خلف بحيرة".

و من جانبٍ آخر فإن جلال الدين الرومي اضافت الدكتورة شيرين عبد النعيم محمد حسنين قد أقام عدة سنوات في دمشق و قد كان محبّاً للعلم و العلماء و باحثاً مجداً عن الحكمة، فمن غير المنطقي ألا يرغب في لقاء ابن عربي الذي كان من أشهر العلماء و أهل العرفان و التصوف في تلك الآونة.

كما أن مثنوي معنوي الذي هو نتاجٌ أدبي، و فكري، و أخلاقي، و كلامي، و عرفاني يضمّ في طياته كثيراً من الآراء و المسائل التي تكلم عليها ابن عربي و تناولها بالبحث و التفسير.

و لا ننسى هنا أن صدر الدين قونوي تلميذ ابن عربي و ناشر أفكاره و طريقته في العرفان و شارح مؤلفاته كان معاصراً لجلال الدين الرومي في قونية و كان لديه فيها مدرسةٌ و صومعةٌ، و تذكر المؤلفات لقاءاتٍ عدة حدثت بينهما

لكن هذا كله لا يعني أن جلال الدين الرومي قد تأثر بابن عربي و طريقته العرفانية تأثراً كاملاً، فهو لم يكن منه بمنزلة التلميذ من الأستاذ أو المريد (السالك) من الشيخ المرشد)."

 

و لا بد من التأكيد على اختلاف المشارب بين جلال الدين الرومي و ابن عربي،  اشارت الدكتورة شيرين عبد النعيم محمد حسنين فالرومي من أهل خراسان و متأثر بطريقتهم بما فيها من وجدٍ و سماعٍ و كشفٍ وشهود.

 

إضافة إلى ذلك فإن اللقاء الذي هو لحظة التحول التاريخي في حياة كلٍّ من ابن عربي و جلال الدين الرومي يحمل في طياته إشاراتٍ واضحةً إلى الاختلاف في الطريقة، فالقصة الشهيرة للقاء ابن عربي بصديق والده قاضي قرطبة (أبو الوليد ابن رشد) و الحوار الذي دار بينهما، و تلك الأخرى التي تتحدث عن لقاء الرومي الفقيه (آنذاك) بشمس التبريزي في قونية تسلطان الضوء على حقيقةٍ لا يمكن تجاهلها فابن رشد أستاذ ابن عربي و شيخُه كان فيلسوفاً و من أهل البرهان و الاستدلال، بينما كان شمس عارفاً من أهل الكشف و الشهود.

 

ثم انتقلت الدكتورة شيرين عبد النعيم محمد حسنين بعد هذه المقدمات إلى فكرةٍ رئيسة ذُكرت في كثير من المؤلفات و الدراسات و هي القول بأن عرفان ابن عربي عرفانٌ نظري و عرفان الرومي عرفانٌ عملي (سيرٌ و سلوك ).

 

فقالت :بدايةً لا بدّ من الإشارة إلى وجود مصطلحات ثلاث: العرفان النظري، و العرفان العملي، و علم العرفان العملي. في العرفان العملي يبدأ السالك رحلة السير و السلوك حقيقةً و يجتاز المقامات (الوديان) واحداً تلو الآخر تحت إشراف الشيخ (المرشد) حتى يصل إلى مقام الفناء في الله. بينما علم العرفان العملي فهو ما يقوم العارف بتدوينه بناءً على معارفه و تجاربه الشخصية في رحلة السير و السلوك

 

و من جانبٍ آخر فإن هذه المصطلحات لم تذكر في مؤلفات الأولين فهي تسميات حديثة. فمع بداية القرن السابع الهجري حدث تحولٌ جوهريٌ في العرفان الإسلامي مع ظهور مكتب ابن عربي، حيث اكتسب العرفان الإسلامي طابعاً فلسفياً و ظهر بصورةٍ  علميةٍ – فلسفيةٍ بينما كان قبل ذاك قائماً على السلوك العملي و المعاملات العرفانية. و لكن هذا لا يعني أن السير و السلوك (العرفان العملي) قد انتهى مع ظهور مكتب ابن عربي في القرن السابع الهجري، بل استمر و ازداد رونقاً مع شمس تبريزي و الرومي و غيرهما

 

نضيف هنا اكدت الدكتورة شيرين عبد النعيم محمد حسنين : صحيحٌ أن جلال الدين الرومي قد تطرق في مؤلفاته  إلى مسائل وحدة الوجود، و الإنسان الكامل و وحدة الأديان و غيرها مما جاء في مؤلفات ابن عربي، لكن الأخير لم يكن أول من ذكرها و خاض فيها فهي موجودة في مؤلفات الأولين، كما وردت على شكل إشارات و إيماءات في مؤلفات مَن سبقه من أهل التصوف الإسلامي، مثل: العطار، و سنائى و جنيد و غيرهم

 

كما أن ابن عربي قد صبَ هذه الأفكار في قالب فلسفي لا يفهمه إلا الخواص بل أخص الخواص، بينما قدمها جلال الدين الرومي في قالب قصصي بسيط ينال منه العامةُ و الخاصة حظاً من الفهم كلٌّ حسب درجة فهمه. فابن عربي أراد التأسيس لنظريةٍ تربط العرفان بالفلسفة و تثبيت ركائزها، بينما كان الرومي (خاصة بعد اللقاء الذي جمعه بشمس التبريزي) عاشقاً صاحب وجدٍ و أحوال.

 

و ختمت الدكتورة شيرين عبد النعيم محمد حسنين كلمتها بالاشارة  – باختصار-  إلى ما ذكر أعلاه من تأثر الرومي بمذهب وحدة الوجود الذي أسس له ابن عربي، هذا التأثر الذي ظهر جلياً في مؤلفه المشهور (مثنوي معنوي) الذي سمّاه صاحبه (دكانِ وحدت). و هنا نذكّر بأن آراء ابن عربي الأخرى قد ظهرت ظلالها واضحةً في مؤلفات الرومي لكن لضيق المجال نكتفي بالحديث عن وحدة الوجود:

 

اشتهر مكتب ابن عربي بمكتب (وحدة الوجود) و نشرت كثير من البحوث و الدراسات والمؤلفات حول هذه المسألة التي تقوم على فكرة رئيسة نعرضها بإيجاز: لا وجود للأشياء ... كل ما هو موجودٌ هو الله. لكن ليس المقصود هنا أن الأشياء هي عين الحقّ أو أن الأشياء تتحد بالحق فهذا مخالفٌ للتنزيه، و إنما المقصود أن الأشياء لا وجود لها و الوجود هو الله

 

عدد من الباحثين المتخصصين في شعر جلال الدين الرومي و طريقته ذهبوا إلى أن الرومي قد جمع بين وحدة الوجود عند ابن عربي ووحدة الشهود عند علاء الدين سمناني. و قد هدف مذهب وحدة الشهود إلى السير بوحدة الوجود مذهب الاعتدال، فخالق الكون كله هو الحق، و لكنهم في عالم المخلوقات يقبلون التعدد و الكثرة، و هم في عوالم الكشف و الشهود لا يرون سوى الله، فأينما نظروا يتجلى لهم جمال الله.

 

اما  الشاعر  والاديب محمد صالح صرخوه  من الكويت والعضو في ورشة السهروردي الفلسفية  فتكلم على انقداح اللغة الصوفية ووما جاء في كلمته:

  

إن كون الإنسان كائناً اجتماعياً يعيش في الجماعة بكافة مستوياتها ، ابتداءً من الأسري الصغير وصولاً إلى العائلي و انتهاءً بالحزبي أو الديني المذهبي مثلاً ، يتطلب منهاجاً خاصاً يلعب دور الأب المهذب لأبنائه ، و هذا بدوره يتطلب توجهاً خاصاً تقوده القيادات المجتمعية بمختلف مواقعها كل حسب دائرته ، فهناك القيادة السياسة المتمثلة بالأنظمة الحاكمة ، و هي بما تملك من قدرات و إمكانيات مادية تتحمل الدور الأُثقل في هذه التربية ، و هناك أيضاً الزعامات الفكرية ، دينية كانت أو لا دينية ، و هناك رأس الهرم في الأسرة ، أي الأب .. رب الأسرة ، بيد أن المشهد الواقعي يضع هذا الاهتمام التربوي الجمعي في سفح هرم أولويات الأنظمة الحاكمة ، إذ لا شغل يشغلها إلا ابتكار شتى أطباق الوهم المزيّنة على مائدة الحياة اليومية ، و ذلك كله في سبيل الهاء الفرد و بقية أٌقرانه في المجتمع نفسه ، و تشتيت بوصلة الفكر ليبقى دائماً منتصباً أمام احتياجات الجسد ، و طالما امتلكت الدولة مفاتيح الجسد و حاجاته يبقى الفرد خاضعاً ، و يسلم المجتمع عنقه أملاً بلعقة ! إذ ذاك يتحول الاهتمام البشري كله إلى الخارج و ما فيه من ملذات مأمولة ، و ذلك يُصنع صنعاً في مختبرات المتآمرين ! يشرف عليها خبراء سياسيون و اقتصاديون و علماء نفس ، يستثمرون كل ما توصل إليه العقل البشري من فتوحات علمية على صعيد المادة ، و على صعيد السلوك البشري ، لإنجاح تلك المؤامرة الكبرى على العقل ! و ذلك يتم على المثال التالي:

هل ترى فيَلَةَ السيرك و عروضهم ؟!

 

ثمة فيل جائع متعب منهك بزي مهرج ، يحمل على رأسه قبعة زرقاء مزركشة بنجوم بيضاء ، تقوده ضربات السوط المتدلي من يد مدرب محترف يحمل بيده الأخرى موزة منتصبة ، و من حولهم يتحلق الجمهور التائق لرؤية العجائب ! فما الذي يريده كل منهم ؟

ثمة أطراف ثلاثة في هذا المشهد ، الفيل ، المدرب ، و الجمهور...

 

أما المدرب ، فيرغب بما قدّره من أرباح مادية يحصدها من جيوب الجماهير ، أما الجمهور فيرغب بعرضٍ عجائبي متمثل بقيام الفيل ببعض الحركات البهلوانية الخارجة عن طبيعة الفيلة ، يرغب بها لأطول مدة ممكنة ، و لمّا كانت رغبة المدرب قابعة في جيوب الجماهير ، تطلب الأمر حمل موزة بإحدى يديه يلوح بها لناظرَي الفيل ، أما الفيل فلا رغبة لديه غير أكل الموز ! و ذلك ما سيضمن كينونته كحلقة أضعف في العرض ، أما إن فكّر لوهلة بتجاوز رغبته الجسدية و الاندفاع نحو الطرفين المقابلين ككتلة صخرية متدحرجة من أعلى قمم اليأس ، فسيكون سوط الجلاد حاضراً !

و لنسأل الآن أنفسنا هذا السؤال سأل  الشاعر  والاديب محمد صالح صرخوه: 

ترى .. ما مدى أهمية حصول الفيل على الموزة بالنسبة للجمهور و المدرب ؟! ما أهمية كونه تعباً جائعاً منهكاً ؟ و الأهم من كل ذلك ، ما أهمية كونه غريباً بعيداً عن غابته الاستوائية و مجتمعه الحيواني ؟!

 

أما الأطراف الثلاثة ، الفيل ، المدرب و الجماهير ، فكلهم مستسلم لرغبات الجسد ! أما الفيل فهو الشعب ، إذ يوهمه الحاكم (المدرب) بأملٍ جسدي لا يعدو كونه فتات مائدته الصباحية ، في سبيل استخراج و استنفاذ كافة طاقات الشعب البشرية في الإنتاج أو فلنقل في الخضوع ، تارة تحت شعار الولاء للوطن ، و تارة تحت شعار الفرد الطموح ، و تارة تحت شعار المشاركة السياسية في بناء الدولة ، و حيناً تحت شعار الديمقراطية ، فتنتشر إذ ذاك الفوضى بين أفراد المجتمع ، و تتلاشى الفعالية العقلية ، لتصبح الحقيقة كائناً هلامياً خميرياً يشكله الحمقى كما يحلو لهم ، فيضطرون إلى وسائل الإعلام ، من صحف و مجلات و إذاعات و قنوات فضائية ، و مواقع التواصل الاجتماعي ، لتداول الشتائم و الآراء التافهة في كل شيء ، متفوقين على الفيل بعروضهم البهلوانية و السياسة و الجنسية ! و يكون جل ما تتجه إليه أنظارهم .. موزة منتصبة! 

أما المدرب (الحاكم) فيفعل ذلك لجني منفعته من الجمهور ، و لمنفعته وجه آني ، متمثل بما سيجنيه من مال اثر العرض البهيج ، و الآخر وجه استراتيجي متمثل باستمرارية بقائه مدرباً ! أما هاتان الرغبتان ، فموزة الجماهير! 

الجمهور هو تلك الأنظمة الدولية المهيمنة التوسعية ، ذات النفوذ و المصالح العابرة للقارات ، و الضمانات الأٌقوى ، إذ تهيمن على الحاكم بما توهمه من تسخير كافة قواها لصالحه ، بما يضمن له الاستمرار في سدة الحكم ، و يمنع عنه الغزو الخارجي المرتقب من أعداء وهميين ! و تضمن له على أسوأ الأحوال أرصدة مكوكية في بنوكها العالمية المعتبرة. 

و الآن .. و في كل تلك الرغبات و المصالح لدى الأطراف الثلاث كيف نعثر على واحدة روحية أو عقلية .. لا جسدية مادية! 

 هذا هو حجم الصنم ، و ضخامة الوهم ، فما الذي يحجبه عنك هذا الصنم الدخاني ؟ و كيف السبيل إلى كسره ؟ و م الذي سينتج على اثر كسره و على أي صعيد من الأصعدة سيكون الناتج ؟

إنها الحركة و سلطانها القابض على الأبعاد الثلاث ، تبدأ الحركة في الخارج سارقة انتباه الفرد مستحوذة على جل تركيزه ، و تتمثل الحركة بما أسلفنا من رغبات جسدية و ظروف حياتية عامة و خاصة ، فتحيط بالفرد مطبقة عليه كل الآفاق ، لينحصر وعيه كله في صيرورتها النهمة ، بلا توقف .. ملتهمة زمانه كله ، فيكون بذلك إما متحركاً لتلبية ما تلح به عليه من رغبات ضرورية كانت أو كمالية ، أو خاوياً تعباً منهكاً ، يدخر بضعة ساعات لنومه ، فان لم يشأ النوم ، صرف لحظات السكون الجسدي بالتفكير بتلك الرغبات و المخاوف ! بالتالي بحركة عقلية لكنها ليست نحو العقل و حقائقه ، و إنما نحو الجسد و الخارج. 

إن كون التفكير طيراً داخلياً ، يتطلب حتماً سماءً عقلية صافية  اشار الشاعر  والاديب محمد صالح صرخوه ، و لتحقيق صفاء الذهن المنشود ، يحتاج الفرد وقتاً من عدم الالتفات للخارج ، و عدم الالتفات للخارج يعني إيقاف الحركة الخارجية الواردة إلى النفس من بوابات الحس ، و التي بدورها محكومة بمفاتيح الرغبات و المخاوف ، و هنا تكمن خطورة الخارج ، إذ بوقوفه على أرضية الطبيعة البشرية (الجسدية المعيشية) و ضروراتها ، يقتحم خلوات العقل و القلب ، لتتشتت أفكار الفرد فلا يعود قادراً على قراءة صفحة واحدة من كتاب ، و لا التفكير لبرهة في هويته ، من هو و ماذا يريد ، و لما هو هنا في هذا العالم ؟ و أما القلب فمنجرف كغصن ذابل بتيار نهر جبلي ، و متى ما تمكن الفرد من إسكات صوت الرغبات و المخاوف ، و حصره في أرضه المرسومة له ، دون إتاحة أدنى فرصة له للاستحواذ على طروادة عقله ، يكون قد خطا أولى خطواته باتجاه المعنى ، و مدار الحقيقة و تشكيل لوحة المعرفة بألوانها الزاهية ، و مشاهدها الخلابة البديعة ، و مع كثرة التمرن على ممارسة هذه العملية التجريدية ، سيقف الفرد على وهم الخارج بركائزه الزمكانية كلها ، و هو الأمر الذي ليس للأنظمة الحاكمة (الاستعمارية) أية نية لقبوله .. و لأجله أقامت جل وسائل السرقة .. سرقة الذهن ، و الوقت!

 فما تفاصيل هذه السرقة ؟ و ما طبيعتها ؟

تتطلب أي عملية فكرية وجود العنصرين ، الثابت و المتحول ، بل إن ذلك ما يتطلبه كل جزء من أجزاء الحياة ، فلنتخيل عدم وجود قانون عقلي متمثل بالبديهيات (كأن نعرف أن الجزء لا يشمل الكل ، فالغرفة لا تشمل المنزل ، بل المنزل يشمل الغرفة ، فالكل هو الشامل للجزء) ، في إطار نقاش بين طرفين ، كيف سنحكم بصحة رأي طرف و خطأ رأي الآخر ؟ أو لنتخيل عدم وجود النحو في اللغة ، كيف سنميز الفاعل عن المفعول به ، و الخ .. إذ لا تقوم أية فعالية فكرية كانت أو سلوكية اجتماعية أو أي صنف من صنوف الفعاليات البشرية بل و حتى الكونية الطبيعية إلا بوجود الثابت و المتحول.

 

ثمة نظام شامل قائم في كل شيء ، في كل تجليات الحياة الفكرية و السلوكية العملية ، ثمة ما هو ثابت يلعب دور المرجعية القانونية ، و ثمة متحولات خاضعة لكل عوامل التغير و الصيرورة ، فنحن مثلاً نرى رجلين متساويي الطول ، و نرى في حالة أخرى قلمين متساويي الطول ، و نرى في حالة مغايرة حائطين متساويي العرض ، و نرى في حالة أخرى و أخرى طالبين متساويين في الدرجات الدراسية ، التساوي واحد و الحالات مختلفة ، فالتساوي في المثالين الأولين كان في الطول ، و في المثال الثالث جاء بالعرض ، و في الرابع جاء بالدرجات الدراسية ، فما الذي يجمع كل هذه الحالات ببعضها البعض ؟ انه التساوي . فهو الثابت المجرد العقلي غير المتجسد في شكل ، فهل ثمة شخص يدعي مشاهدة جسد التساوي أو لونه أو رائحته ؟

لا .. و إنما كل ما نشهده من التساوي هو تطابقات الأشياء المجسدة معه ، كالرجلين و الحائطين و الطالبين ، فالتساوي إذاً هو الثابت المجرد المعقول ، و الأمثلة المضروبة كالرجلين و الحائطين هي المتحولات المحسوسة ، و لو جلسنا في مطعم أو مقهى ذي طابع فارسي تقليدي ، فهل يجوز لنا تشغيل موسيقى الجاز أو الروك في ذلك المقهى ؟ بالطبع لا .. فما السبب ؟

ثمة نسق هناك عبرنا عنه باسم (طابع) يحكم المكان الذي نجلس فيه الآن (المقهى الفارسي التقليدي)  قال الشاعر  والاديب محمد صالح صرخوه ، ذلك النسق هو الثابت ، و الأشياء التي في المقهى من أثاث و معدات الطهي و التقديم و لائحة الطعام و بقية السلع و الخدمات المقدمة هي كلها متحولات ، إذ لا يمكن استبدال النسق بآخر ، فلو استُبدل لتغير طابع المقهى برمته و كف عن كونه تقليدياً فارسياً ، فقد يتحول إلى ايطالي أو فرنسي أو هندي ، بل قد يكف عن كونه مقهى و يتحول إلى محل لبيع قطع الأثاث المعمرة ، أو دكان خياطة ، و ذلك لأنه  الثابت الذي يشكل و يسند عالمه (المتمثل في هذا المثال بالمقهى الفارسي التقليدي) ، و أما محتويات المقهى الذي عبرنا عنها بالمتحولات ، فيمكن استبدالها دوماً ، إذ قد نستبدل السجادة الكرمانية بسجادة يزدية و نستبدل الكرسي الخشبي بآخر حديدي أو بلاستيكي ، و قد نستبدل اللحوم الحمراء بالبيضاء و الخ .. دون أن يؤثر ذلك التغيير على جوهر المكان و طابعه.

 

بانعدام الثابت ينعدم النظام و يتلاشى كل ما فيه ، الثابت واجب حتى في أكثر الأمور بداهة و بساطة ، و ما المحاورات الأفلاطونية التي نسجها أفلاطون مستعيناً برمز أستاذه و معلمه الشهيد سقراط إلا محاولات للتوصل إلى الثابت في كل ما تطرق له من موضوعات ، و هو أمر يتضمن حتى مجال اللغة.

هكذا يعمل الذهن ، فالتحدي يكمن هنا إذاً ، في هذه العلاقة بين الفكر و اللغة ، بين الفعل و القول .. و لمّا كان الأمر يعني ضرورة الالتزام بالمسئولية اتجاه الكلمة و الأفكار التي خلفها ، أدرك الأنظمة السياسية ذلك منذ أمد بعيد ، فاحتكرت حق (الكلمة) محددة ثوابت الانسان ، أو بالأحرى ، ناثرة ثوابت البشرية كإبرٍ موزعةٍ بين جبال القش .. كان ، و لا يزال الأمر على هذا

إن الفزاعة القديمة التي نالت نصيبها من الرواج و الشعبية لدى كافة أعداء المعرفة من أتباع المذاهب السفسطائية كانت و لازالت الشعر و قدرته السحرية على التلاعب بالكلمات ، هي القدرة السحرية على تمرير أية فكرة مهما كانت بشعة و تقديمها بمظهر فكرة لا تخلو من جدية ، بحالة من اللا مسئولية المبررَة!

يستخدم الفلاسفة و العرفاء و المفكرون عموماً ما يتاح لهم من أدوات برهانية لتشكيل تصور واضح حول فكرة أو معتقد ما ، تلك الأدوات التي تعب قدماء البشر في اكتشافها على طريق العقل ، و من ثم مراقبتها و صقلها ليفهم الإنسان نفسه ، و العالم الذي يحيا به بكل ما يتضمن من تفصيلات و أنساق و نظم ، ليفهم مثلاً كيف يقهر ظروف الطبيعة القاسية ، كيف يمرض ، و كيف يشفي نفسه ، كيف يقرأ و كيف يكتب ، و كيف يفكر و من أين جاء و من يكون و إلى أين يذهب ، فان وجد طاولة في حديقة بيته ، يتساءل عن مصدرها ، من صنعها و من جاء بها إلى هنا ، و لماذا .. لك أن تسأل صاحب الفكر و البرهان عن مفاهيم مجردة كالحرية و الحب و العالم و الإله .. سيجيبك حتماً ، أما الشعراء فسيؤرجحونك في دهاليز اللغة بين جدران الصوت و الصورة البلاغية ، لتجد نفسك تجري ككرة تتهاداها أرجل اللاعبين إلى إشعار آخر!

تابع الشاعر  والاديب محمد صالح صرخوه إن ذاك السفر ، الرحيل إلى الغيب الذي حدث مع جلال الدين الرومي مثلا في خلوته ، يشبه إلى حد كبير تلك الأفكار التي تتحدث عن سماع صوت اللوغوس ، و تلك التي تظهر في كافة أدبيات العرفان منذ كتابة ملحمة جلجاميش على تلك الألواح العتيقة مرورا بألف ليلة و ليلة و قصص السندباد و حاسب كريم الدين ، و صولاً إلى حي بن يقظان ، و الغربة الغربية للسهروردي ، و كلها تنهج نفس النهج المتمثل بضرورة الغياب ، و العودة من العالم الآخر بمفاتيح جديدة للأسئلة القديمة ، و أسئلة جديدة لا مفاتيح لها ! و هنا تكمن بوابة الأسطورة.

الأسطورة حيث مساحة شاسعة في قارة اللاوعي متخمة بالأحداث و الشخصيات و العناصر الأكثر قداسة في وجدان الإنسان ، هناك حيث الآلهة و أكثر الأحداث خصوصية ، كالخلق و البعثة و الهجرة و الشهادة ، كلها تتموضع كعناصر رمزية في بيت اللاوعي الكبير مشكّلة ما يعرف بالذاكرة الأزلية.

و في تلك الزاوية يجد الانسان وصلة بأكثر الأشياء تأثيرا به ، و أعمق نقطة في نفسه ، فهي حالة خارج الزمان و المكان ، حاضرة دوما على هيئة اللحظة الراهنة ، كملاذ يدخله الانسان في لحظة شتاته الذهني إثر حوادث الواقع المرير ، يتصل منها بحقيقته العميقة خارج إطار التاريخانية المادية ، فشخصية كالإمام علي مثلا ، هي للعامة الواقعيين (و الفقهاء منهم) شخصية عاشت و ماتت قبل قرابة ألف و أربعمئة عام ، بيد أنها لأولئك الباحثين عن حالة كاسرة للزمن في زاوية الأسطورة حاضرة دوما ، فقد ظهر الامام علي في خلوة حافظ الشيرازي مهديا إياه كأسا مليئة بالماء . كما نجد الكثير من هذه الأحداث المشابهة في آثار المتصوفة باعتبار التصوف إحدى تشكلات الأسطورة في اللاوعي البشري ، فأفلوطين السكندري يخلع نفسه عن بدنه كخلع المرء لقميصه مرتفعا لعالم الغيب متصلا بالواحد ، و فريد الدين العطار يكتب رائعته عن جبل قاف و جلال الدين الرومي يخلع جبّة الفقيه الخطيب متحولا إلى جوّال في بلاد الله الواسعة باحثا عن شمس تبريز ، مظهرا معاجزه اللغوية بعد سنّ الخمسين!

لقد دخلت فارس كلها طور التيه في الفترة الممتدة من بداية الفتح الإسلامي حتى قيام الدولة العباسية على يد أبي مسلم الخراساني ، و كانت أن تفقد لغتها الفارسية إثر إقبال قومها على العربية و ثقافتها الرائجة في تلك الحقبة ، و هناك بدأ الاغتراب الكبير يأخذ شكل التصوف مرفوقا بعاملين أساسيين ، فقد ضاعف الحكم القمعي من جرعة الاغتراب ، كما ساهم الحوار الحضاري الذي لعبت الترجمة فيه الدور الأكبر في ظهور القارة الروحية الأم ، الدين الواحد المضمر داخل الأديان ، و القائم على ثلاثية (الاله ، العالم ، الانسان) متخذة شكل الدائرة ، يمكن للعنصرين الأول و الأخير فيها أن يتبادلا الأدوار وفق حاجة الفرد.

 

وختم الشاعر  والاديب محمد صالح صرخوه إن ابتكار القصيدة يعني فتحاً لغوياً ، يقفز بسقف اللغة من إطارها التعبيري اليومي المادي ، إلى فضائها الرمزي الإيحائي ، حيث يتسنى لها القبض على القدر الأكبر من الشحنة الإيحائية التعبيرية لتلك الأفكار المجردة و تقديمها على ما هي عليه ، طازجة ككعك الأعياد ، بيد أن هذه اللغة لا تتأتى فقط بالقالب (أي القصيدة ، أو العمل السردي كالقصة مثلاً) و إنما تتأتى من ذاك التأثير الكامن في القالب ، أي أنها ذاك الأثر القادم من النص ، فهي ليست النص نفسه ، إذ يمكن التعبير عنها بالمعنى القابع وراء النص ، كما أنها أيضاً كحالة فكرية شعورية كامنة في فلك العقل ، أي أنها موجودة قبل النص أصلاً ، قد تتخذ لنفسها مظاهر شتى للتعبير ، الأمر كله أن الشعر نظام مستقل يسكن خزانة الروح ، يتصل به الإنسان بفعالية نفسية تجاوزية ، قد يأخذ شكل حدثٍ صادم معين ، أو سؤال فجائي يباغت ذهن المرء ، أو لحظة عاطفية مفعمة ، تأخذ صاحبها إلى وجه الحقيقة المطلقة ، فتصطفيه معبراً للظهور بهذا العالم ، فان فرض الشعر نفسه على صاحبه نغمياً ، ظهر كمقطوعة موسيقية ، و إن فرض نفسه شكلياً ، ظهرت المنحوتة ، و إن فرض نفسه شكلياً لونياً ، تجلت الفنون البصرية ، و إن فرض نفسه لغوياً ، كُتبت القصيدة ، و كل تلك المظاهر مظاهر شعرية ، و ليس الشعر منحصراً فقط بالقصيدة ، فهي شكل من أشكاله لا أكثر.

إن هذا المعنى للشعر ، المطابق لمعنى الرؤيا ، و هذا المعنى للشاعر ، المطابق لمعنى الرائي ، يختلف تمام الاختلاف عن ذاك المعنى الدارج لدى عامة الناس ، و عامة ما يسمى بالمثقفين ! الشاعر هنا لقب نطلقه على الكائن الأقرب إلى الحقيقة ، و العامة يطلقونه على لاعب الكلمات ، الشاعر هنا لقب نطلقه على بوابة عبور الحقائق إلى هذا العالم ، و العامة يطلقونه على السفسطائي الأمثل و الدجّال الأول !  و لذلك ، يتحتم علينا نفي صفة الشعرية عن هذا النموذج الدارج ، النموذج الذي يتّبعه الغاوون ، و في كل وادٍ يهيم .. و يقول ما لا يفعل ، يقول ، فقط لأنّ له لسان ، و على ذلك كلّه يمكننا تعيين مصدر القوّة الكامنة في ما وردنا آثار جلال الدين الرومي و حافظ الشيرازي و غيرهما من الرّائين العارفين الذين كتبوا حضورهم الغيبي بقوالب شعرية متفوّقة.

بعد ذلك تكلمت الدكتورة ميرفت سلمان ,مدرّسة اللغة الفارسية في جامعتي تشرين

اللاذقية والبعث - حمص والمركز الثقافي الإيراني في اللاذقية بسوريا

 وكان عنوان بحثها العرفان النظري والعملي (السير والسلوك) بين ابن عربي وجلال الدين الرومي

ومما جاء في كلمتها   :

عندما نتحدث عن جلال الدين محمد البلخي المعروف بالرومي (ت. 673 هـ) و محيي الدين أبو بكر محمد الأندلسي المعروف بابن عربي ( ت 638 هـ) فإننا نتحدث عن قطبين من أقطاب التصوف و العرفان الإسلامي، شغلا أهل التصوف و العرفان و الباحثين في هذا المجال منذ القرن السابع الهجري حتى يومنا هذا. و قد سعت كثير من الدراسات إلى إثبات تأثر جلال الدين الرومي بابن عربي انطلاقاً من حقائق تاريخيةٍ عدّة مذكورةٍ في كتب موثوقة، ففي أكثر من كتاب، مثل: (مناقب العارفين) للأفلاكي (ت. 761 هـ) و شرح كمال الدين خوارزمي (ت. 840 هـ) على (مثنوى معنوى) الموسوم بـ (جواهر الأسرار) و غيرهما ذُكر اللقاء الذي حصل بينهما في دمشق، فقد سافر الرومي مع أبيه بهاء ولد المعروف بسلطان العلماء إلى حلب سنة 630 هـ، و انتقلا بعدها إلى دمشق و أقاما فيها بين أربع سنوات إلى سبع سنوات على اختلاف الروايات، و قد كان ابن عربي في تلك الفترة مقيماً في دمشق من سنة 620 هـ إلى سنة 638 هـ (تاريخ وفاته) حيث كان منشغلاً بالرياضة و التأليف. و في ذاك اللقاء قال ابن عربي عبارته الشهيرة: " سبحان الله! محيط يمشي خلف بحيرة".

و من جانبٍ آخر فإن جلال الدين الرومي قالت الدكتورة ميرفت سلمان قد أقام عدة سنوات في دمشق و قد كان محبّاً للعلم و العلماء و باحثاً مجداً عن الحكمة، فمن غير المنطقي ألا يرغب في لقاء ابن عربي الذي كان من أشهر العلماء و أهل العرفان و التصوف في تلك الآونة.

كما أن مثنوي معنوي الذي هو نتاجٌ أدبي، و فكري، و أخلاقي، و كلامي، و عرفاني يضمّ في طياته كثيراً من الآراء و المسائل التي تكلم عليها ابن عربي و تناولها بالبحث و التفسير.

 و لا ننسى هنا أن صدر الدين قونوي تلميذ ابن عربي و ناشر أفكاره و طريقته في العرفان و شارح مؤلفاته كان معاصراً لجلال الدين الرومي في قونية و كان لديه فيها مدرسةٌ و صومعةٌ، و تذكر المؤلفات لقاءاتٍ عدة حدثت بينهما

لكن هذا كله لا يعني أن جلال الدين الرومي قد تأثر بابن عربي و طريقته العرفانية تأثراً كاملاً، فهو لم يكن منه بمنزلة التلميذ من الأستاذ أو المريد (السالك) من الشيخ المرشد.

و لا بد هنا من التأكيد على اختلاف المشارب بين جلال الدين الرومي و ابن عربي، فالرومي من أهل خراسان و متأثر بطريقتهم بما فيها من وجدٍ و سماعٍ و كشفٍ وشهود.

إضافة إلى ذلك فإن اللقاء الذي هو لحظة التحول التاريخي في حياة كلٍّ من ابن عربي و جلال الدين الرومي  اضافت الدكتورة ميرفت سلمان يحمل في طياته إشاراتٍ واضحةً إلى الاختلاف في الطريقة، فالقصة الشهيرة للقاء ابن عربي بصديق والده قاضي قرطبة (أبو الوليد ابن رشد) و الحوار الذي دار بينهما، و تلك الأخرى التي تتحدث عن لقاء الرومي الفقيه (آنذاك) بشمس التبريزي في قونية تسلطان الضوء على حقيقةٍ لا يمكن تجاهلها فابن رشد أستاذ ابن عربي و شيخُه كان فيلسوفاً و من أهل البرهان و الاستدلال، بينما كان شمس عارفاً من أهل الكشف و الشهود.

   ننتقل بعد هذه المقدمات إلى فكرةٍ رئيسة ذُكرت في كثير من المؤلفات و الدراسات و هي القول بأن عرفان ابن عربي عرفانٌ نظري و عرفان الرومي عرفانٌ عملي (سيرٌ و سلوك).

   بدايةً لا بدّ من الإشارة إلى وجود مصطلحات ثلاث: العرفان النظري، و العرفان العملي، و علم العرفان العملي. في العرفان العملي يبدأ السالك رحلة السير و السلوك حقيقةً و يجتاز المقامات (الوديان) واحداً تلو الآخر تحت إشراف الشيخ (المرشد) حتى يصل إلى مقام الفناء في الله. بينما علم العرفان العملي فهو ما يقوم العارف بتدوينه بناءً على معارفه و تجاربه الشخصية في رحلة السير و السلوك.

و من جانبٍ آخر فإن هذه المصطلحات لم تذكر في مؤلفات الأولين فهي تسميات حديثة. فمع بداية القرن السابع الهجري حدث تحولٌ جوهريٌ في العرفان الإسلامي مع ظهور مكتب ابن عربي، حيث اكتسب العرفان الإسلامي طابعاً فلسفياً و ظهر بصورةٍ  علميةٍ – فلسفيةٍ بينما كان قبل ذاك قائماً على السلوك العملي و المعاملات العرفانية. و لكن هذا لا يعني أن السير و السلوك (العرفان العملي) قد انتهى مع ظهور مكتب ابن عربي في القرن السابع الهجري، بل استمر و ازداد رونقاً مع شمس تبريزي و الرومي و غيرهما

 نضيف هنا تابعت الدكتورة ميرفت سلمان: صحيحٌ أن جلال الدين الرومي قد تطرق في مؤلفاته  إلى مسائل وحدة الوجود، و الإنسان الكامل و وحدة الأديان و غيرها مما جاء في مؤلفات ابن عربي، لكن الأخير لم يكن أول من ذكرها و خاض فيها فهي موجودة في مؤلفات الأولين، كما وردت على شكل إشارات و إيماءات في مؤلفات مَن سبقه من أهل التصوف الإسلامي، مثل: العطار، و سنائى و جنيد و غيرهم

كما أن ابن عربي قد صبَ هذه الأفكار في قالب فلسفي لا يفهمه إلا الخواص بل أخص الخواص، بينما قدمها جلال الدين الرومي في قالب قصصي بسيط ينال منه العامةُ و الخاصة حظاً من الفهم كلٌّ حسب درجة فهمه. فابن عربي أراد التأسيس لنظريةٍ تربط العرفان بالفلسفة و تثبيت ركائزها، بينما كان الرومي (خاصة بعد اللقاء الذي جمعه بشمس التبريزي) عاشقاً صاحب وجدٍ و أحوال.

و في الختام نشير – باختصار-  قالت  الدكتورة ميرفت سلمان "إلى ما ذكر أعلاه من تأثر الرومي بمذهب وحدة الوجود الذي أسس له ابن عربي، هذا التأثر الذي ظهر جلياً في مؤلفه المشهور (مثنوي معنوي) الذي سمّاه صاحبه (دكانِ وحدت). و هنا نذكّر بأن آراء ابن عربي الأخرى قد ظهرت ظلالها واضحةً في مؤلفات الرومي لكن لضيق المجال نكتفي بالحديث عن وحدة الوجود:

اشتهر مكتب ابن عربي بمكتب (وحدة الوجود) و نشرت كثير من البحوث و الدراسات والمؤلفات حول هذه المسألة التي تقوم على فكرة رئيسة نعرضها بإيجاز: لا وجود للأشياء ... كل ما هو موجودٌ هو الله. لكن ليس المقصود هنا أن الأشياء هي عين الحقّ أو أن الأشياء تتحد بالحق فهذا مخالفٌ للتنزيه، و إنما المقصود أن الأشياء لا وجود لها و الوجود هو الله.

ختمت الدكتورة ميرفت سلمان "لا  بد هنا من الإشارة إلى أن عدداً من الباحثين المتخصصين في شعر جلال الدين الرومي و طريقته ذهبوا إلى أن الرومي قد جمع بين وحدة الوجود عند ابن عربي ووحدة الشهود عند علاء الدين سمناني. و قد هدف مذهب وحدة الشهود إلى السير بوحدة الوجود مذهب الاعتدال، فخالق الكون كله هو الحق، و لكنهم في عالم المخلوقات يقبلون التعدد و الكثرة، و هم في عوالم الكشف و الشهود لا يرون سوى الله، فأينما نظروا يتجلى لهم جمال الله".

الدكتور مصطفى محسن اللواتي  الشاعر والكاتب والصحافي من  عمان حاضر عن

 فقال :(جلال الدين الرومي الجسر الثقافي بين الأمم)

الحديث عن الرومي ليس حديثا عن شاعر او اديب، وإن كان الرومي شاعرا وأديبا، ولا هو حديث عن حكيم وإن جرت على لسانه الكثير من الحكم، ولا هو حديث عن متصوف وعارف وإن كانت شخصيته كلها اصطبغت بالتصوف والعرفان

الحديث عن الرومي هو حديث -إضافة إلى ما ذكر- عن شخصية عالمية، تمظهرت فيها ثلاث معالم أساسية:

:        الحب والعشق في الله جل وعلا

          رأى في الإسلام غايته القصوى في هذا السبيل

          رغم ما يقتضيه هذا الحب -عند كثير من المتصوفة وقتها- من التجرد من الشرائع أو التحلل من تبعات الدين، إلا أن الرومي ظل في هذه محافظا وملتزما لم يزده تصوفه إلا تعلقا بالله وبأوامره ونواهيه.

          ظهر هذا الحب في معظم أشعاره وكلماته ورسائله

 

 

          التجرد من الدنيا

          اتخذ التجرد من الدنيا لدى الرومي عدة أشكال، ولم يقتصر على مجرد الزهد بمفهومه السائد "الدروشة".

          فالرومي قبل لقائه بشمس الدين التبريزي او شمس تبريز كما يعبر بعضهم عنه هو غير الرومي قبل ذلك اللقاء، فمن مدرس ومعلم يعيش حياة أقرب للرفاهية، مع وضع إجتماعي نطلق عليه في مصطلحنا بـ "الوجاهة" إلى خروج عن كل مألوف في مثل تلك الأوساط التي عاشها الرومي.

          من أشكال التجرد التي مارسها الرومي هو "الابتعاد عن ملذات الدنيا" و "كسر الذات بتصرفات غريبة في ذلك الواقع" والرقص كان أحدها، و "قهر الذات على الحياة الصعبة المتقشفة.

 حب الآخرين لم يفرق الرومي بين الناس على أي أساس ديني أو طائفي أو عرقي أو مذهبي

          كانت كل الأديان بالنسبة إليه خيرة بما تحويه من مباديء وقيم ومفاهيم

          قلبه كان واسعا لأقصى الدرجات، فكان يتقبل الجميع، وكان سمحا مرنا في تفكيره وتعامله، ومتساهلا جدا في معظم التعقيدات التي تصادفه

          كتب كتابه الأشهر "المثنوي" ووضع فيه كل مفاهيم حب الآخرين والمساواة وتقبل الجميع ونبذ كل أنواع الحقد والكراهية

وعن عالمية الشخصية اضاف الدكتور مصطفى محسن اللواتي

يمكن بسهولة إكتشاف عالمية هذه الشخصية من خلال:

          ترجمة تراثه وآثاره إلى عشرات اللغات العالمية كالأردو والهندية والتركية والعربية واللغات الأوربية المختلفة.

          تم تحويل تلك الآثار سواء بلغتها الفارسية الأصيلة أو المترجمة إلى أغان عالمية وإلى مسرحيات غنائية موسيقية

          تركيز الباحثين الغربيين على الرومي تحديدا حين البحث عن التصوف

          هذا التنافس بين عدد من الدول لجعل الرومي أحد مواطنيها، فكل واحدة منها تطرح أدلتها لتفوز بشرف إنتساب هذه الشخصية إليها

          يكفي للدلالة كتاب "قواعد العشق الأربعون" للتركية "ألف شفق" والذي تجاوزت مبيعاته فقط في تركيا فوق مليون نسخة فضلا عن ترجمته لعشرات اللغات وشرحه وتحقيقه من عشرات الكتاب

لماذا هذه العالمية للرومي دون غيره.

الدكتور مصطفى محسن اللواتي       وعن التصوف والعرفان تابع  

          طالما كان الحب الإلهي، ومفاهيم العشق الرباني عابرة للقارات، ومتجاوزة للأديان، فكان المخلصون لهذه المفاهيم، والحاملون الحقيقيون لها لا يقيمون كثير وزن لمفاهيم التفاضل الدنيوية، بل يتجاوزونها لفضاء أرحب وأوسع، فتنفتح قلوبهم لتحتوي الكون كله، بما فيه من بشر وحجر ومدر، فينطلقون من حبهم وعشقهم لله، ومن خروجهم من قشور المادة والدنيا، إلى حب كل ما في الوجود، وهذا يكسبهم كثيرا من محبة الناس، وإقبالهم عليهم، ناهيك عما في هذا من توفيقات يفيضها عليهم ربهم فيجعل قلوب الناس تهوي إليهم

          ظلت أفكاره العرفانية والعقلية محط اهتمام الناس وأيضا محط تجاذب بينهم، مما جعلها تنتشر بشكل سريع وعميق.

          أيضا ما كتبه الرومي في هذا الإطار كان عابرا إلى قلوب الناس دون حجاب، فاستطاع اختراق صدور أتباع مختلف الديانات لأنها رسائل حب خالص.

          بموضوع الفن التصوف والعرفان اشار الدكتور مصطفى محسن اللواتي

          الفن لغة عالمية بدون شك، والرومي استغل هذه اللغة بشكل مذهل لإيصال رسائله

          كانت الموسيقى عند الرومي سبيلا للوصول إلى الله، وكانت هذه الموسيقى بشكل تلقائي سبيلا لوصول الرومي للناس

 

          وكان الرقص الدائري سبيلا للرومي للتجرد من الدنيا والمادة، وكانت تلك الرقصة سببا لخلوده من خلال طقس إبتدعه لنفسه ليصبح طريقة لسيل من البشر يريدون من خلاله الوصول للكمال، حينما حول ولده "رقص" والده إلى "طريقة" لا تزال تعرف بـ "المولوية".

          ولا زالت مطاعم ومقاهي إيران وتركيا وبلاد الشام ومصر تقدم لمرتاديها الرقصة المولوية كفن وفولكلور صوفي جميل.

          الأدب

          أيضا الأدب لغة عالمية، تجمع حولها المثقف والمتذوق والصوفي والإنسان العادي، وقد برز الرومي في هذا المجال بقوة.

          ففي الشعر تجانس شعره مع موسيقاه ورقصه فأنتج مزيجا صوفيا فنيا جميلا، وقد كتب أكثر من 70 ألف بيت شعر باللغة الفارسية ترجمت إلى العديد من اللغات، وله بحدود ألف بيت باللغة العربية، فضلا عن الشعر "الملمع" المتناثر كثيرا في أشعاره، وأشهر دواوينه "الرباعيات" وديوان "شمس الدين التبريزي" الذي يعرف أيضا ب"الديوان الكبير" و"مثنوية المعاني" الذي يعتبره بعض الكتاب أنه من أهم دواوين الشعر الصوفي، وقد احتوى شعره الفارسي على كثير من إستلهامات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وأمثال العرب وحكمهم.

          في النثر لعل أشهر كتبه التي انتشرت في أصقاع الأرض هو كتاب "المثنوي" والذي احتوى على مباديء الرومي وتعاليمه وأفكاره من خلال قصصه اليومية وتجاربه المستمرة وإستلهاماته القرآنية.

          كل هذا التراث الأدبي / الثقافي كان بوابة الرومي للإنتشار عالميا

الرومي الجسر الثقافي:

          ختم الدكتور مصطفى محسن اللواتي مثل هذه الشخصيات ومن خلال "بعثها" يمكن أن تخفف كثيرا من الشحن الطائفي والخصومات السياسية والتي تفرق بين بني الإنسان، فضلا بين المسلم وأخيه

 

          الرومي كان عالما بعدة لغات كالعربية والفارسية والتركية واليونانية وغيرها، كما إنه لم يكن ملكا لبلد دون آخرمن خلال حله وترحاله الذي جعله يتشرب مختلف الثقافات، كما أن أساتذته ومن تأثر بهم كشمس التبريزي والعطار وابن عربي وغيرهم لم يكونوا من مذهب واحد ولا من قطر واحد، وفي هذا ما فيه من رسائل جميلة يمكن إستغلالها للإنطلاق نحو تلاق بين الأمم والشعوب من خلال أمثال هذه الشخصيات.    

بعد ذلك كانت مداخلة للاستاذة امل ناصر وهذا نصها :

يُلقي التَّلاقحُ الحَضاريُّ، والتَّمازجُ الثَّقافيُّ بظلالِه وآثاره على المستوياتِ الفكريَّة والمعرفيَّة للأفراد، وبالتَّالي ينعكس على بلورةِ أيديولوجيَّةٍ ذات جزئيَّاتٍ خصبةٍ لها قدرةٌ متوثِّبةٌ على طيِّ التَّباعد المكانيِّ وكسرِ الجدارِ الزَّمنيِّ، فتُحدث مثقافةُ الفكرة الَّتي تحوي مضَامينَ روحيَّةً، تُحدث مشهداً رؤيويّاً مختلفاً من منظارٍ فردِيٍّ واجتماعيٍّ في إطار دينيٍّ ودنيويٍّ أوسع، وانطلاقاً من هذه الرُّؤية تُخلقُ أزمنةٌ متعدِّدةٌ، أحدُ هذة الأزمنةُ هو الزَّمن الأدبيِّ، الَّذي يتضمَّن قدرةً احتوائيَّةً تستوعبُ تَشكُّلَ العصرِ المرتبطِ به، ولا يقفُ عند هذا الحدِّ إنَّما يلعبُ دوره في طريقةِ إظهار خصائصَ تلك الحقبة الزَّمنيَّة، لتحجزَ لنفسها مكاناً في المحصاصة التَّاريخيَّة، وكذلك تصنع المثاقفة الحضارية تاريخاً في امتدادِ الحرف وتوسُّع اللُّغة، المثاقفةُ نفسُها الَّتي عالقت الحضارتين الفرعونيَّةِ والرُّومانيَّة، وأحدثتْ نقطةَ تحوُّلٍ زمنيٍّ في تشظٍّ معرفيٍّ أعمق وأوسع، فماذا إذن عن المثاقفة الحضاريَّة تحت عنوان الصُّوفيَّة بين الأدبين العربيِّ والفارسيِّ، إنَّها تضفي انصهاراً متيناً يحوِّل الأدب المرتبطَ بها إلى ثباتٍ ممتدٍّ نحو ما يشبهُ اللَّانهاية، ويتمخَّضُ عنه رؤيةٌ اجتماعيَّةٌ متفرِّعةٌ من رؤية دينيَّةٍ قائمةٍ على مبدأ الاتِّصال الحقيقيِّ بالله، وعلاقة التَّجذُّر المعرفيِّ والغوصِ في تجلِّي الحقائقَ والعرفان المطلق، ليحدثَ التَّكاملُ على مستوى حياة الأفراد والمجتمعات في نضال الرُّوح النَّقيِّ لتذوُّقِ الجمال الحقيقيِّ في وجه كلِّ التَّشوُّهات الَّتي طالته وطالت كلَّ المجالات الثَّقافيَّة والاجتماعيَّة، ليحوِّلَ العشقَ الصوفيَّ تلك المداركَ الجماليَّة إلى لغةٍ شعريَّةٍ تلامس الحِسَّ الفطريَّ عند البشريَّة، ولتثبِّت تلك الاستضاءات النُّورانيَّة في نفس كلِّ متلقٍ حيث صحوة العرفان، لتسقطَ عنده الحدودُ المَاديَّة في حضرة الله.

كان للطَّواف العرفانيِّ عند مولانا الرُّوميِّ تأثير بالغ  في ملاقحة الأدب العربي، ليس فقط في صوره العشقيَّة وإنَّما في طريقة تناوله لهذا العشق، حتَّى أصبح اسمه يمازج الشِّعر العربيَّ الحديث في عنوان الرَّمز والأسطورة، ليطبِّع الحداثة بمضامينَ أخَّاذة تشرق دلالتها مع كلِّ قارئ جديد، وتخلق شذراتِ شعرهِ تناصاً في الأسلوب، فيتكوَّن على صعيد المضمون محاكاة ليست تقليداً، بل إعادة تدوير لمفاهيمَ حياتيَّة تعزِّز القيمة الفكريَّة بيعداً عن نظام التَّفاهةِ السَّائد، لتعيد إقامة وزنٍ للمعايير الحَقَّة الَّتي يساهم الأدب في أحيائها بشكل مباشر وأساسٍ.

لا يكفي أن نستفيد من جماليَّة الصُّورة وإضاءاتها الرُّوحيَّة، لكن علينا أن نؤتَمن على قيمتها الرؤيويَّة من أجل بلورة حياة أفضل على الصُّعد كافَّة.

وايضا مداخلة للاستاذة فاطمة فنيش وهذا نصها :

   لن اتطرّق الى الحديث كثيرا عن المثنوي وعن جلال الدين الرومي لانه من سبقني اعرفُ مني في هذا الامر ، ولكن بما اننا نتكلم عن العرفان وعن اللغة الفارسية وت‍زاوجها ايضا مع اللغة العربية ، يُلفتني هنا البعد الصوفي العرفاني في اصل اللغة الفارسية ، على الرغم من انني لست من متقنيها لكنني ادّعي من مستشعريها ، تلفتني هذه الفطرية العرفانية في اللغة الفارسية  وهو ما لا اجده في اللغة العربية ، وبما انني مترجمة مايؤلمني حقا انني وحتى اليوم ، على الرغم من قراأتي الكثيرة لبعض الترجمات لكتب تاريخية مترجمة الى اللغة العربية ، اقول حتى اليوم هناك القلّة القليلة القليلة الذين يستطيعون نقل بعض من روح الفارسية الى اللغة العربية ، اتمنى من جهود المترجمين ان يتمكنوا من نقل هذه الروح رويدا رويدا ، اسمحوا لي ان استعير عبارة من كلام الرومي وهو: ان اللفظ كالاناء والمعنى فيه كالماء ، مايجعل فيه من الماء صافيا هو المعنى العرفاني الصوفي ، ويجعله اكثر صفاء من المعنى العادي واكثر رقّة  هنا رقّة المعنى.

وهنا يستحضرني ماقاله الاستاذ محمد عن القوس الصعود عند الانسان ، وكيف انه يتغزّل خلال علاقته بالله وبالعكس من خلال ايضا انعكاس صورة الله على نفسه ، ان هذا المعنى ايضا في صعود الانسان يزداد صفاء وعرفانا في اي لغة كانت مكتوبا بها.

كذلك كانت الكاتبة والمترجمة مريم ميرزادة قد قدمت للندوة بمداخلة وهذا نصها :

لا جدالَ حول توأمةِ الفلسفةِ والشعر، وليست الشواهد نادرةً في تاريخ الفكر البشري. رأينا هيدغر العاشق للشعر ونيتشه الشاعر، ورأينا باشلار الصوفي وبرغسون العارف "الحديث عن العرفان ليس حديثاً في الدين، لكنّ فلاسفة الدين كثيراً ما لبسوا خرقةَ التصوف دون علمِهم أحياناً. وحيث أنّ العرفان لا يرتبطُ بدينٍ معيّن أو عِرقٍ معين، فإنّ هذا التوجّه الروحاني أو هذه اللغة المفارِقة إذا ما صحّ التعبير، تشملُ الإنسان بما هو إنسان، ربما تماماً كالفلسفة، ولكن ليس بأدوات العقل هنا، وإنما بأدواتٍ من جنس الروح والبصيرة، فتكونُ اللغةُ خادمةً للمعنى، لا أكثر 

 

حينما تأثّرَ الشعراء بالعرفان والتصوّف، وتأثّرَ الفلاسفة والمفكرون به، صارَت القصائدُ أكثرَ عمقاً وملامسةً للروح. وصار الفكرُ أكثرَ إغواءً للخوضِ في غمارِ الميتافيزيقا وإعادة إنارةِ كهفِ المثُلِ الأفلاطونية. وعندما دخلَ النورُ والإشراقُ إلى نثرياتِ الأدباءِ وقصصهم، صارت الحكايا ملأى بالصور الخيالية ومطعّمةً بالمعنى. ربما كانت الجذورُ اليونانية للعرفان هي ما غذّى في كافة النحلِ والمللِ روحَ التصوّف والبحث عن الذات الإلهية وكلِّ ما يروي الظمأ الأنطولوجي للإنسان. فكان أفلوطين مشرقاً في سماءٍ شهدت عروجَ طائر العطّار بمنطقِ المقامات، وكانت تراتبية سلسلة الوجود فيضاً ألهمَ العديد من شعراء الفرسِ والعرب رغم اختلافِ مناهجهم العقلية ومقارباتهم العرفانية، فإذ بالفيلسوفِ يناجي ربَّه والعالمِ الفيزيائي يتورّطُ أمام إغواء جمالياتِ المكان فيؤمنُ بما وراءَ النارِ والماءِ والأحلام، وإذ بالشاعرِ ينظمُ قصيدةً لامتناهيةَ المقاصد، لأنّ في ذاتِ القارئِ كَوناً شاسعاً من المعاني. الكونُ في داخلِك، يقولُ جلالُ الدين

 

 في يومِ مولانا، لا بدّ من هدمِ الأبنية المصطنعة، حتى تتوحّدَ خيوطُ الشمس في شعاعٍ واحد، كما عبّر هو في المثنوي، ولا بدّ من ملامسةِ الجمالِ الذي في دواخلِنا.. من خلال تذوّق جمالية الشعرِ وسحرِ المعاني، بعد تجاوز عائق اللغة، فما بين العربية والفارسية، تاريخٌ عريقٌ من الجذبِ والانجذاب لا ينتهي ولا يتوقف عن إضفاء المعنى على حياة الإنسان والارتواء على عقله. ولم يُقبلِ العالَمُ العربيُّ والغربي على جلال الدين الرومي بهذا النهَمِ إلا بعد ترجمة قصصه المثنوية ونقلِ أفكارهِ ورواية تأُثيرِ شمسٍ على مسيرتِه، على يدِ مترجمين تارةً أو من خلال توظيفه في الرواية العالمية، حيث إنّ الإقبالَ على قراءةِ المثنوي وفيه ما فيه بدأ بعد التفاتةِ الروائيين والأدباء إلى جمالِ العرفان المولوي وعمق الصور والإشباع الروحي الذي يتحصّلُ من فهمِها. وذلك ما حصلَ مع ابنِ عربي الذي احتلّت أفكارُه حيّزاً مهماً في مدرسة النور والعرفان الفارسية، فكان كبارُ المتصوّفة تحت تأثيره ومازالوا، حتى أنه يظهرُ بين سطورِ شمس التبريزي في محادثاتِه عن جلال الدين، والتي نقلها إلى العالم بشكلٍ واسع المترجم والباحث وليم شيتيك الذي قالت عنه المستشرقة آنا ماري شمل إنه نقلَ ببراعةٍ معلّمَ الرومي شمس، من الظلّ إلى النور...




المستعمل تعليقات

الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)