الجمعه 5 ربيع الاول 1439 
qodsna.ir qodsna.ir
في الذكرى المئوية للوعد المشؤوم؛

تداعيات "بلفور" الكارثية تثقل كاهل الفلسطينيين

مئة عام مرت على أكبر خطيئة تاريخية سياسية ارتكبتها بريطانيا بحق الفلسطينيين بعد أن منحت ما لا تملك لمن لا يستحق، مخلفة بذلك آثارا وتداعيات كارثية على الشعب الفلسطيني وقضيته على مدار عدة عقود، ومازال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها.

 

مئة عام مرت على أكبر خطيئة تاريخية سياسية ارتكبتها بريطانيا بحق الفلسطينيين بعد أن منحت ما لا تملك لمن لا يستحق، مخلفة بذلك آثارا وتداعيات كارثية على الشعب الفلسطيني وقضيته على مدار عدة عقود، ومازال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها.

 

ويصادف الخميس، الذكرى الـ100 لـ "وعد بلفور" المشؤوم الذي منحت بموجبه بريطانيا الحق لليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين.

 

ويطلق "وعد بلفور" على الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

 

وبحسب الموسوعة الفلسطينية، فإن صياغة وعد بلفور استغرقت 4 أشهر قبل الوصول إلى الصيغة النهائية، وذلك بالنظر للتعهدات الأخرى التي التزمت بها بريطانيا، ولا سيما تجاه الشريف حسين، وضغوط المعارضة التي واجهتها من الجانب المعادي للصهيونية.

 

وحرصت وزارة الخارجية البريطانية -في تلك المرحلة-على الاقتضاب وتحاشي التفاصيل والاعتماد على العبارات العريضة.

 

وجر بلفور المشؤوم الويلات والجرائم على شعبنا الفلسطيني، فمنذ أن تم منح الصهاينة هذا الوعد وتتواصل مخططات القتل والتهجير والاستيلاء الصهيونية على الأرض الفلسطينية وحتى المؤامرات والمخططات الإجرامية لا تزال تتواصل ضد القرى الفلسطينية بهدف تهجير سكانها وإحلال المستوطنين مكانهم.

 

اقتلاع شعب

 

ويرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن تداعيات هذا الوعد خطيرة جدا كونه نتج عنه اقتلاع شعب واحلال آخر كان غير قادر على الاندماج في المجتمعات الأخرى، "فجاءوا به في إطار التخلص منه ولخدمة مشروع استعماري يستهدف ضرب وحدة الامة العربية ونهضتها".

 

ويوضح عوكل أن الوعد خلَف خطيئة تاريخية خطيرة عدا أنها ازاحت شعب بأكمله وتركته بلا حقوق وأبقت الصراع مفتوحا، وتابع "بهذا الوعد تم تهديد كل حركة الوحدة التحريرية القومية العربية، وجعلها أكثر عرضة لمخططات تقوم بها (إسرائيل) في المنطقة بتأمين وجودها، وذلك بدعم من الدول الغربية التي صنعتها".

 

وأكد أن قضية الفلسطينية باتت هي قضية التحرر الوطني الوحيدة في العالم، مشيرا إلى أن المنطقة العربية منذ تأسست (إسرائيل) أصبحت تعاني من مخاطر تعيق التطوير والتنمية الاقتصادية وتطوير العلاقات البينية بين تلك الدول.

 

وأشار عوكل إلى أن الوعد أسس لقضية اسمها القضية الفلسطينية، مبيناً أن الفلسطينيين كانوا على ارضهم يعيشون بسلام، مشدداً على أن المطلوب من بريطانيا هو الاعتذار للشعب الفلسطيني ودفع تعويضات عن كل السنوات منذ وعد بلفور حتى اليوم والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية على الأقل.

 

مصالح استعمارية

 

ويعقد الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب أن أخطر التداعيات التي تركها "بلفور" هو قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين، حيث جاء في ذروة محصلات وتقاطعات دولية أثناء الحرب الأولى كان نتيجتها أن هذه المصالح الاستعمارية في تلك الفترة تقتضي بالتخلص من بعض المجموعات التي لم تستطع الاندماج في مجتمعاتهم.

 

وبين حبيب لـ"الرسالة نت" أن الدولة العبرية قامت عام 1948 استنادا إلى هذا الوعد من خلال تشجيع الهجرة وفتح سفارتها الكبرى وجامعتها العبرية حتى قبل ذلك العام وبشكل رسمي في 14 أيار بعد جلاء الاستعمار البريطاني.

 

وتابع " جميع الشعوب الأخرى التي تم احتلالها ومصادرة ممتلكاتها قامت بكثير من الجهود أبرزها جعل الدول المستعمرة أن تعتذر وتعوض لكن نحن كفلسطينيين لم ننجح ولم تقبل الدولة الاعتراف بجريمتها بل أحيت هذه الذكرى بوجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لندن".

 

ونوه حبيب إلى أن ما نشهده اليوم من جرائم إسرائيلية، هي نتيجة هذا الوعد المشؤوم، لافتا إلى أن العرب وبعض الفلسطينيين يتحملون مسؤولية كبيرة لعدم مواجهة هذا الوعد منذ فترة طويلة بالشكل المطلوب.
 

دور فلسطينيي الخارج في إبراز القضية الفلسطينية
 

تعاظم في السنوات الأخيرة دور فلسطينيي الخارج في إبراز القضية الفلسطينية، مستثمرين إقامتهم في أوروبا بنسج العلاقات مع المؤسسات الحقوقية والسياسية لإشعارها بخطورة ما سببه الاحتلال الاسرائيلي منذ سلبه للأرض المقدسة وما يتعرض له الفلسطيني من انتهاكات مستمرة دون تحرك ملموس من المجتمع الدولي.

 

الدور الذي يؤديه فلسطينيو الخارج كان جلياً، من خلال الأنشطة التي تقام سواء عبر تجمع الجاليات في أوروبا أو المؤسسات التي فتحت أبوابها للفلسطينيين هناك؛ فساهمت بدور كبير لاستعراض ما يعانيه الفلسطيني بعد وعد بلفور وخطورته على القضية الفلسطينية.

 

ولم يتوقف دورهم ونشرهم للقضية الفلسطينية عند هذا الحد، بل ذهبوا لتنظيم مؤتمر دائم يحمل مسمى "فلسطينيو الخارج" ليمثل الكل الفلسطيني، وجاء في أبرز مخرجاته الدعوة لمشاركة فلسطينيو الشتات في القرار السياسي الفلسطيني.

 

ومنذ شهرين يعمل فلسطينيو الخارج على قدم وساق من أجل إبراز خطورة وعد بلفور في الذكرى المئوية له، وهنا يقول زياد العالول المتحدث باسم المؤتمر:" نقوم بحملة كبيرة مستغلين مئوية بلفور فالرقم ليس عادياً، عدا عن أن "إسرائيل" تتحضر لاحتفالات كبيرة وموقف الحكومة البريطانية الداعم للوعد، اضطرهم للعمل بجهد حتى يكون صوتهم أعلى".

 

ويضيف خلال حديثه "للرسالة":" هناك الآلاف من المتفاعلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من الناشطين والساسة الأجانب (..) وصلنا للذروة في الحملة لتوعية الشارع الغربي بشكل عام والعربي والإسلامي بشكل خاص".

 

ويوضح العالول لجوءهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي والتغريد عبر وسم "بلفور 100"، كونه الأفضل في الوصول إلى أكثر جمهور، مشيرًا إلى أنهم يغردون عبر الوسم ذاته الذي يغرد عليه الإسرائيليون وذلك بحد ذاته تحدٍ كبير من أجل مخاطبة الرأي العام الغربي، بدلًا من أن يغردوا على هاشتاق لا يصل للغرب.

 

 اعتذار بريطانيا

 

وعن الدور الذي يؤديه فلسطينيو الخارج لتوعية الغرب بمخاطر وعد بلفور، يشير إلى أن هناك الكثير من الرسائل التي يحملونها في جميع الدول الأوروبية كون لديهم حرية أكبر في الحديث عن خطورة بلفور وما يعانيه الفلسطيني جراء ذلك.

 

ويضيف العالول أنهم جزء من العالم الفسيح ولديهم تحالف مع مؤسسات بريطانية كبيرة تدعم القضية الفلسطينية.

 

وحول دور السفارات الفلسطينية في دعم فلسطينيو الخارج، يقول:" بالعادة السفارات لا تتفاعل مع القضية الفلسطينية، لكن لا بد من تسليط الضوء على ما قام به السفير الفلسطيني في بريطانيا حينما تعاون مع شبكة المواصلات في لندن لتزين الشوارع بملصقات مئوية بلفور على أكثر من خمسين تاكسي من أجل إيصال رسالة الشعب الفلسطيني".

 

وأكد العالول على أن احتفال بريطانيا بمئوية وعد بلفور يعد بمثابة إمعان من المملكة في جرمها واستكمال دورها الاستعماري، مبينًا أنه كان من المفترض اعتذار بريطانيا للشعب الفلسطيني جرّاء هذا الوعد، لكن، دعوتها لاحتفالية مع نتنياهو معناه أن تصريح بلفور كان مشروعًا استعماريًا وأن بريطانيا ساهمت بشكل كبير في تمكين اليهود من السيطرة على الأرض الفلسطينية".

 

ولفت إلى أن هناك عريضة تطالب بريطانيا للاعتذار عن وعد بلفور بدأت أمس الأول من نوفمبر ستستمر مدة عام، وتستهدف سياسيين بريطانيين وغيرهم من أصحاب القرار، مؤكدًا على أن تلك العرضية تشكل ضغطًا سياسيًا على الحكومة البريطانية.

 

وشدد العالول على أنهم من خلال الفعاليات والأنشطة المختلفة سيعملون على تجريم بريطانيا لدورها الاستعماري ووضعها في خانة المجرم الذي يتهرب من مسئوليته القانونية والأخلاقية، ولمطالبته بدوره الذي لم يفعله أثناء الانتداب البريطاني الذي كان عليه حماية ممتلكات الفلسطينيين.

 

ووفق قوله فإن هناك مظاهرة ضخمة في الرابع من نوفمبر أمام السفارات البريطانية في عدد من دول الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى بريطانيا، كما أن هناك فعاليات كثيرة أخرى أسبوعية تشهد مناصرة للشعب الفلسطيني وتؤيد الحق الفلسطيني في الإصرار على تحمل بريطانيا المسؤولية فيما يتعلق بهذا الوعد المشؤوم.

 

ونوه العالول إلى أن هناك لوبيًا متنفذًا في حزب المحافظين البريطاني الذي يحكم الآن، لكن ردة فعل أحزاب أخرى كحزب العمال الذي يملك ما يقارب نصف مقاعد البرلمان والأحزاب الصغيرة الأخرى التي كلها مناصرة للشعب الفلسطيني ورفضت الاحتفالية.

 

وبحسب متابعته، فإن الشارع البريطاني، في غالبيته، مناصر لقضية فلسطين ورافض لسياسات "إسرائيل" وتفاعله ستُعبّر عنه المظاهرة التي من المتوقع أن يحضرها عشرات الآلاف لإحياء ذكرى مئوية بلفور.

 

وبيّن العالول أن "إسرائيل" بحليفها بريطانيا لن تنجح بـتسويق نفسها كدولة غير محتلة أو كدولة ديمقراطية، لافتًا إلى أن العالم كله يعرف أنها دولة محتلة، كما ويدرك الجميع أن معظم الجامعات البريطانية مقاطعة لإسرائيل والجامعات الإسرائيلية.

 

وقبل أيام قليلة شهد أول انتصار لمناصري فلسطين في جامعة مانشستر، حينما تم تعطيل احتفالية للإسرائيليين في الجامعة.

 

وعد زائف وسرقة للتاريخ

وقالت حركة "حماس"، إن بريطانيا ارتكبت مجزرة تاريخية بحق شعب له وجود وثقافة وتاريخ وهي ملزمة اليوم بالتكفير عن خطيئتها بإعادة الحقوق لأهلها، والاعتذار العملي للشعب الفلسطيني.

 

وأضافت الحركة، في بيان صحفي في الذكري المئوية للوعد، أن وعد بلفور الذي قام على أساس منح أرض بلا شعب لشعب بلا أرض هو وعد تكذبه الحقائق على الأرض، فالفلسطيني منغرس بأرضة كأشجار الزيتون الرومية والجبال الراسخة، والشهداء وحدهم من يمنح هذه الأرض الهويّة".

 

وأوضحت أن "وعد بلفور" وعد من لا يملك ومنح من لا يستحق، فهو وعد زائف وسرقة للتاريخ والثقافة والحضارة والحياة، فهو وعد قائم على الافتراء والتسلط وإحلال بقوة الاحتلال لا بقوة المنطق والحق.

 

وأكدت الحركة أن الشعب الفلسطيني تصدّى بكل أدوات الصمود والتحدي لهذا الوعد الزائف، ابتداء من ثورة النبي موسى، مروراً بثورة يافا، والبراق، والكف الأخضر، وأكتوبر، وعزالدين القسام، والثورة الفلسطينية الكبرى، وثورة الحجارة والأقصى والقدس وليس للثورات انتهاء حتى يسقط الوعد وتزول آثاره.

 

ولفتت إلى أن الفلسطينيين لم يتوان عن دفع الأثمان لنيل حريته، فثار على مخلفات بريطانيا المجرمة، ويخوض الملاحم، بما لا يدع في القلب من شك، أن بلفور كان أحمق حين ظنّ أن هذه الأرض بلا شعب، وما تبني تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا المتعجرفة للاحتفال بذكرى مرور مائة عام على وعد بلفور المشؤوم إلا استمرار في غيها وتجاهل لحقوق الشعب الفلسطيني وتكثيف لمعاناته وتأييد لما يمارس ضده من جرائم واضطهاد وتشريد.

 

وشددت الحركة على أن سنين الاحتلال الطويلة أثبتت اختيار الشعب الفلسطيني طريق الوحدة الوطنية والاعتماد على الذات، وشعوب أمتنا هي الطريق للخلاص والحريّة.

 

وقالت الحركة في بيانها، "إن المائة سنة لم تذهب تضحياتها هدراً، ويكفي شعبنا فخراً أن يقف عجل بني إسرائيل (نتنياهو) ليعبر عن أقصى حلم له بأن يحتفل بمائة سنة على قيام دولة الاحتلال، وهو حلم ستقصر أجله سواعد المجاهدين وقبضة المقاومين".

 

وعد بلفور قاعدة الاستيطان منذ مائة عام

 

أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي خلال جلسة لمجلس العموم البريطاني عن نية بلادها الاحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور، معبرة عن فخرها بالدور الذي قامت به بريطانيا في إقامة دولة "إسرائيل"، على حد تعبيرها.

 

وإزاء ذلك، قال وزير الشؤون الخارجية والمغتربين في السلطة الفلسطينية رياض المالكي: "إن الموقف البريطاني يمثل تحديا كبيرا لرأي الشعب البريطاني والمجتمع الدولي وفلسطين حيال الموضوع، ويعكس لامبالاة حقيقية للمسؤولية التاريخية والجريمة التي ارتكبتها بريطانيا قبل مئة عام".

 

وفي ظل تجاهل بريطانيا التي تعتبر بلفور وعداً يحتفل به، تستغل "إسرائيل" هذا الدعم وتنمو وتزيد عبر مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني.

 

تاريخ طويل

 

ويؤكد الدكتور خالد العمايرة المختص بشؤون الاستيطان مسؤولية بريطانيا عن التوسع الاستيطاني منذ وعد بلفور حتى الآن، متهما إياها بأنها السبب الرئيسي لاستمرار الاستيطان حتى الآن، وأن وعد بلفور هو الخطيئة الأولى، مضيفاً أنها السبب الجذري والأساسي للمصائب التي حلت بالشعب الفلسطيني.

 

وأضاف العمايرة أن بريطانيا تتحمل المسؤولية السياسية والتاريخية والأخلاقية لأنها أعطت حقا لمن لا يستحق على حساب من يستحق، ولم تحترم حتى البنود المكتوبة في وعد بلفور، ولا يمكن اعفاء بريطانيا من الجريمة الكبرى التي قامت بها تجاه شعب أعزل"، مؤكدا أن آثار الجريمة لم تتوقف فـ"إسرائيل في توسع كبير، وحتى مناطق "ج" والتي تعتبر مواطن للسلطة قد بدأت إسرائيل فعليا بالاعتداء عليها"، منوها أن كل ذلك على عين بريطانيا ومباركتها.

 

وبحسب العمايرة فإن وعد بلفور كان بسبب ديني والقائمين عليه كانوا مدفوعين باعتبارات دينية توراتية انجيلية، وقد أثبت ذلك عدد من المؤرخين البريطانيين.

 

وتابع أن دور بريطانيا لم يتوقف عند الوعد، لافتا انها منذ استعمارها لفلسطين من عام 1917 وحتى قيام الكيان الصهيوني وهي تدعم باتجاه قيام دولة إسرائيل وتزيد معدلات الهجرة اليهودية، التي تسببت بتهجير ما يزيد على مليون فلسطيني في عامي 1947 و1948.

 

قاعدة للاستيطان

 

بدوره، يقول الكاتب كرم سعد في مقال له بمناسبة الذكرى المئوية لوعد بلفور: "وعد "بلفور" عقَّد قضايا المنطقة، وفي صدارتها القضية الفلسطينية، فتشابك ما هو داخلي وخارجي وإقليمي ودولي، وما هو مجتمعي وديني وقومي، في المشهد الفلسطيني، وزاد موقف بريطانيا التاريخي من وتيرة الصراع وساهم في بقائه واستمراره، خصوصاً مع إصرارها على تحويل اليهود مِن أقلية دينية إلى جماعة لها ثقلها العددي عبر تغذية موجات الهجرة إلى فلسطين".

 

ويضيف: "خلال تلك المئوية نفسها أقرَّ الكنيست الإسرائيلي مئات القوانين التي تهدف إلى قص جذور الفلسطينيين، آخرها في شباط (فبراير) الماضي، عندما صادَقَ على "قانون التسوية"، أو "قانون سلب الأراضي الفلسطينية"، ويقضي بإضفاء الشرعية على أكثر من ألفي منزل مقامة على أرض خاصة في أنحاء الضفة الغربية".

 

كذب متواصل

 

وفي ذات السياق، تحدثت بريطانيا مجددا على لسان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون الذي أكد على أن بلاده تتبنى إقامة دولتين لحل النزاع بين "إسرائيل" والفلسطينيين، مع ذكرى مرور 100 عام على وعد بلفور، لافتا إلى أن بلاده تسعى لحل يظهر للفلسطينيين أن الاحتلال انتهى.

 

وتعليقاً على ذلك، استهجن عبد الهادي حنتش الباحث المختص بقضايا الاستيطان هذه التصريحات، متسائلاً عن إمكانية إثبات أن الاحتلال انتهى في ظل هذا الطوفان الاستيطاني الذي يكتسح الأراضي الفلسطينية.

 

وأضاف أن الاستيطان المتواصل أكل من مساحة فلسطين ولم يبق إلا 15% من المساحة التاريخية، حيث استوطنت إسرائيل مساحة تقدر ب85%، مبيناً أن الاستيطان لم يتوقف منذ عهد بلفور، وقال: لم تلتزم إسرائيل بقرار تقسيم فلسطين الموافق عليه من قبل الأمم المتحدة بالإضافة الى احتلالها للضفة الغربية، ثم استباحة الأراضي الفلسطينية حتى اليوم".

 

واعتبر حنتش أن عام 2017 هو عام الاستيطان بامتياز، مؤكداً ان الحكومة الإسرائيلية وافقت على خطط لبناء أكثر من 8000 وحدة استيطانية في عام 2017 فقط، و"قد تم البناء في هذه الأراضي بشكل فوري"، مؤكدا ان هذه السعرة الاستيطانية هي الأعنف منذ عام 48.

 

وعلق حنتش على تصريح وزير الخارجية البريطاني، معتبرا أن بريطانيا ما زالت تتلاعب بالكلمات، منوها الى ان وعد بلفور كان ينص على احترام السكان الاصليين لفلسطين، وحقوقهم، ولكن حتى ما نص عليه الوعد لم تحترمه إسرائيل وبريطانيا تعرف ذلك، وتواصل دعمها للمنظمات الإرهابية الاستيطانية.



______________________
 

 

وعد بلفور ... الحقائق التاريخية

 

دراسة يصدرها قسم الأبحاث والدراسات في

 

تجمع العودة الفلسطيني (واجب)

 

بمناسبة مرور 91 عاماً على وعد بلفور

"وعد من لا يملك .. لمن لا يستحق"

 

تمهيد:

 

يأخذ الحديث عن وعد بلفور أبعاداً عديدة ولا يمكن إحصاؤها في عدة أوراق لما لهذه الأبعاد من أهمية على كافة الأصعدة.

 

 

فهذا الوعد الذي ترتب عليه الكثير من المآسي والأحداث كان السبب وراء إحداث عدة تغيرات على المستوى الإقليمي والدولي, هذه التغيرات كانت بمجملها ديمغرافية وجغرافية وتاريخية, فصورة المنطقة العربية والإسلامية أولاً شهدت مسحا لفلسطين التاريخية ـ بالرغم من عدم اعترافنا ولو قيد أنملة بهذا المسح ـ, وتحولت هذه الأرض المباركة من صورة إلى صورة، وتم تفريغ الجغرافية من السكان وتهجيرهم... الخ.

 

وحتى اليوم لم يكن وعد بلفور مجرد حبر على ورق أو مجرد وعد أطلقه أحد سياسيي بريطانيا في أوائل القرن العشرين, بل إن هذا الوعد كان السبب المباشر في كل مآسي الشعب الفلسطيني, وكما قال أحدهم "وعد بلفور أسّس لمأساة القرن".

 

 

 

محاولات تهويد فلسطين عبر التاريخ:

 

فلسطين عبر التاريخ كانت محل اهتمام اليهود ومحط أنظارهم, فمنذ تسرب اليهود إلى فلسطين بعد خروجهم من مصر وهم يحاولون أن يربطوا أنفسهم بهذه الأرض ويحاولون بشتى الوسائل أن يكون لهم موطئ قدم فيها, وكتب اليهود التاريخية وعلى رأسها التوراة تتحدث بكل صراحة أن بني إسرائيل عملوا جاهدين حتى يؤسسوا لهم في فلسطين مجتمعاً كبيراً يرقى إلى مستوى الدولة تكون إقامتهم فيه دائمة عوضا عن الترحال والتنقل, ولأن اليهود أصلا يمتلكون نفسية عدائية واستعمارية لم يكن مرحباً بهم في المنطقة أبداً على عكس الشعوب التي أتت إلى فلسطين كشعوب البحر واختلطت مع السكان الأصليين الكنعانيين وغيرهم, وحتى التحرير البابلي اقتصر على اليهود فقط ولم يشمل سكان فلسطين الأصليين، وهذا إنما يدل على أن اليهود لم يكونوا عبر التاريخ مرحباً بهم وذلك بسبب بغضهم لغيرهم وإثارة الفتن بين الشعوب.

 

بعد ظهور الديانة النصرانية لم يجد اليهود بداً من أن يسايروا أباطرة الرومان حتى يتمكنوا من البقاء في تجمعاتهم في فلسطين ولا يتعرضوا لسبي آخر ويشتتوا في الأرض من جديد, فتعاونوا مع الرومان بداية في ملاحقة النصارى والتنكيل بهم والوشاية بأي نصراني وعلى رأسهم المسيح نفسه, وتغلغلوا في المجتمع الروماني وأوجدوا لهم ثقلا اقتصاديا حال دون القضاء عليهم بالرغم من معرفة الرومان ما يحيكه اليهود في الخفاء.

 

أما بعد انتشار المسيحية وتبني الإمبراطورية الرومانية لها في القرن الثالث الميلادي أخذ اليهود بالانحسار وتحاشوا الدخول في صراع مع الرومان حتى لا يتم القضاء عليهم وسحقهم خصوصا وأن لليهود دوراً هاماً حسب المعتقد المسيح في صلب المسيح، فمن اليهود من تبنى النصرانية وبقي على دينه ومنهم من هاجر إلى المناطق التي لا يسيطر عليها الرومان كشبه الجزيرة العربية.

 

في أوروبا بدأ اليهود بتأسيس ما يعرف بحاراتهم الخاصة (غيتوات) وكان ينظر لهؤلاء في أوروبا على أنهم غير بشر أو حيوانات يجب أن تعامل بشكل سيء فتضرب وتقتل إلخ.. ولم تكن ردة فعل الأوربيين على هذه المعاملة سوى ردة فعل مشروعة في علم الاجتماع وعلم النفس على من حاولوا دائما زرع الفتن في المجتمع, وهذا ما أدى في واقع الحال إلى إيجاد علاقة وثيقة بين الغيتو واليهود, وقد ساهم الغيتو في تكوين شخصية يهودية خائفة على الدوام تخشى الخروج من أسوار الغيتو, فحاول عدد من المفكرين اليهود الذي آمنوا بما تنادي به حركة التنوير الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر أن يقنعوا اليهود بالخروج من أسوار الغيتو أو الاختلاط بـ(الغوييم) الغرباء ومشاركتهم الحياة السياسية والاجتماعية, إلا أن هذه المحاولات فشلت, وأدى ذلك إلى خلق حالة من الصراع النفسي طرفاها الخروج من أسوار الغيتو والبقاء فيه, فأدى هذا الصراع إلى رغبة في الخروج من هذا الوضع وهنا بدأ التفكير جديا بإيجاد مكان يأوي اليهود إليه ويتجمعون دون خوف من أحد بمعنى أن يكون لهم دولة مستقلة يهودية الديانة تدعي القومية.

 

بدأ المفكرون اليهود يبحثون عن بدائل للغيتو وحاولوا مرارا وتكرارا إقناع عدد من سياسيي أوروبا بإيجاد بقعة أرض لهم بعيدة كانت أو قريبة في إفريقية أو في آسيا وحتى في القارة الأسترالية, وكان هؤلاء السياسيون يخشون من أن تتحول الدولة اليهودية إلى منافس حقيقي للاستعمار خصوصا وأن الاقتصاد اليهودي كان يلعب دورا مهما في السياسة والاقتصاد الأوربيين.

 

 

 

نابليون والوعد بتأسيس دولة يهودية:

 

في القرن الثامن عشر على وجه الخصوص أدركت بريطانية وفرنسا وروسيا وألمانيا أهمية فلسطين على جميع المستويات, فمن هذه الدول من نظر إليها على أنها طريق مهم يربط المستعمرات ببعضها بعضاً كبريطانيا وفرنسا ومنهم من وجد فيها أرضا مقدسة يتم من خلالها كسب تأييد المسيحيين في العالم ومنهم من رأى أنها بوابة لعلاقات جيدة مع الإمبراطورية العثمانية.

 

في أواخر القرن الثامن عشر بدأت فرنسا وبريطانيا تفكران مليا في السيطرة على فلسطين أو أخذ امتيازات لهم فيها, وقد بدأت أولى محاولاتهم في حملة نابليون على مصر وبلاد الشام, وكان اليهود وقتئذ يتمددون اقتصادياً بينما فرنسا تعيش إرهاصات ثورتها المشهورة والشعب يأكل بعضه, ولم يكن نابليون يستطيع أن يمول حملاته دون مساعدة من اليهود الذين اتفقوا سراً مع نابليون على تمويل حملته في حال أمّن لهم موطئ قدم في فلسطين.

 

وتذكر المصادر التاريخية أن نابليون أول سياسي أوروبي ينادي علانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين, وهو صاحب النداء المشهور الموجه لليهود "ورثة أرض إسرائيل الشرعيين" الذي صدر في نيسان 1799م وقد دعا نابليون اليهود بهذا النداء للنهوض والالتفاف حول علمه, من أجل تحقيق أحلامهم, وإعادة دولتهم في الحملة الفرنسية التي احتلت مصر عام 1798م[1].

 

تجمع المصادر التاريخية على أن نابليون حاول استغلال اليهود بإثارته حججهم الدينية من أجل تجنيدهم وأموالهم وفي استكمال حملته على بلاد الشام, ولاستغلالهم في حربه ضد بريطانية، إلا أن حملته فشلت في سنتها الثانية لتبدأ مرحلة جديدة في استغلال نابليون لليهود الأوربيين.

 

بعد عودته إلى فرنسا منهزما في مصر وبلاد الشام، دعا نابليون الطوائف اليهودية في المستعمرات الفرنسية إلى عقد مجلس (السانهدرين) وهو أعلى هيئة قضائية كانت قائمة في التاريخ اليهودي القديم, وحجته في ذلك مساواتهم بالفرنسيين والبدء بتأسيس الدولة اليهودية (في المنفى) لحين احتلال فلسطين[2].

 

كان وعد نابليون لليهود بتأسيس دولة لهم أساس التفكير اليهودي الجدي والعملي بإعادة ما يسمونه باطلاً "أرض إسرائيل", ولم يكن يدرك أحد أن نابليون هو من وضع حجر الأساس في العقلية اليهودية, فبعد هذه التجربة التي خاضوها مع نابليون وفشلهم في تحقيق أمانيهم أدركوا أن فرنسا لن تقوم لها قائمة بعد هزائم بونابرت فانتقلوا إلى دول أخرى على رأسها بريطانية فألمانيا فروسيا والنمسا.

 

 

 

بريطانيا والدولة اليهودية:

 

بعد تجربة اليهود مع فرنسا لم تعد تذكر الدولة اليهودية سوى في البيوتات اليهودية وفي بيوت المفكرين على وجه الخصوص, واستمر ذلك الحال نحو مائة عام وذلك حتى ظهور هرتزل على مسرح الأحداث الذي بدأ بالتحرك سريعا لاستغلال الظروف العالمية وانتهاز فرصة ضعف الدولة العثمانية والمباشرة في إقناع زعماء أوروبا والسلطان العثماني بتشكيل دويلة صغيرة في أي مكان في العالم, ولم تكن فلسطين حينئذ في أعلى الهرم، فقد كانت أولويته تجميع اليهود وإخراجهم من شتاتهم في أي مكان.

 

يقول هرتزل في مذكراته:

 

"سأتفاوض أولا مع قيصر روسيا بخصوص السماح لليهود الروس بترك البلاد، ثم أتفاوض مع قيصر ألمانيا, ثم مع النمسا, ثم مع فرنسا بخصوص يهود الجزائر, ولكي يكون لي اعتبار في البلاطات الأوربية يجب أن أحصل على أعلى الأوسمة، الإنجليز أولا"[3].

 

في عام 1880م تبنّى الأسقف الانغليكاني في فينّا (وليم هشلر) النظرية التي تقول "إن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي، وان العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية", وكان هشلر قد ألف كتابا عام 1882م بعنوان (عودة اليهود إلى فلسطين حسب النبوءات)[4].

 

وهناك في فيينا تعرّف هشلر على ثيودور هرتزل وعلى مشروعه، واستطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القيصر الألماني ومع السلطان العثماني، وذلك لمساعدته على إقامة وطن يهودي في فلسطين، وبالرغم من أن تلك اللقاءات باءت بالفشل فإن هشلر لم ييأس، فقد انتقل إلى بريطانيا حيث رتّب في عام 1905م لقاء لهرتزل مع آرثر بلفور.

 

ومن هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني. كان لويد جورج رئيس الحكومة أكثر شغفاً بالمشروع الصهيوني وأشد حماسةً له من بلفور، فكان الوعد الذي صدر في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 1917م بمنح اليهود وطنا قومياً في فلسطين.

 

ذكر لويد جورج في كتابين له هما (حقيقة معاهدات السلام) و(ذكريات الحرب) أن حاييم وايزمن الكيمائي الذي قدم خدماته العلمية لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى هو الذي فتح له عينيه على الصهيونية، حتى أصبح أكثر صهيونية من وايزمن نفسه.[5]

 

ترجح بعض المصادر اهتمام بريطانية ببلاد الشام عموما وفلسطين خصوصا بعد شق الفرنسيين لقناة السويس وقد تبنت بريطانيا فكرة السيطرة على هذا الممر المائي الهام ومنع أي قوة من الحصول على فلسطين لقربها من قناة السويس، ففي عام 1879م كتب اللورد شانتسبري "إنها ضربة لانجلترا إذا استولت أي من الدول التي تنافسها على سورية, فإمبراطوريتها التي تمتد من كندا في الغرب إلى استراليا في الجنوب الشرقي تقطع إلى قسمين وعلى انجلترا أن تصون سوريا لنفسها .. ألا تستدعي السياسة البريطانية إلى تنمية الشعور القومي اليهودي ومساعدتهم لبناء وطنهم القومي"[6]

 

بعد عقد مؤتمر بازل في سويسرا وجد البريطانيون أن قيام دولة يهودية على أرض فلسطين صار أمراً ممكناً خصوصا أن الوكالة اليهودية والأغنياء اليهود تعهدوا بحماية المشروع الصهيوني وبلورة جهوده في احتلال الأرض الفلسطينية، فاتخذت عدة خطوات وعلى عدة مستويات كان أهمها:

 

- عزل فلسطين عن محيطها العربي والإسلامي بوضع حاجز بشري مختلف في الدين والقومية والانتماء باستجلابها العمالة اليهودية والسماح للوكالة اليهودية بشراء الأراضي وبناء مستوطنات في المناطق الهامة.

 

- الاتفاق مع بعض القيادات السياسية العربية النافذة بضرورة العطف على اليهود والأخذ بعين الاعتبار وجودهم على أنه مساعدة إنسانية.

 

- تدريب كوادر عسكرية يهودية في الجيش البريطاني في المستعمرات البريطانية وخصوصاً الهند.

 

- تسليح التجمعات اليهودية بعتاد ثقيل بذريعة حماية الممتلكات.

 

- كسب تأييد الدول الكبرى سواء بالضغط عليها أو بالتنازل لها عن بعض المستعمرات البريطانية.

 

ومع كل هذه الخطوات التي اتخذتها بريطانية لمنح فلسطين لليهود بالمجان جاء وعد بلفور الذي يعتبر الحلقة الأولى المعلنة من قبل بريطانية في بلورة وتكريس الاحتلال الصهيوني.

 

 

 

وعد بلفور ... الحقائق التاريخية:

 

جاء وعد بلفور ليضع المشروع الصهيوني في مساره المتوافق مع إنشاء الدولة اليهودية, فقد كانت بريطانية تحاول جاهدة ولا تكاد تغمض أعين سياسييها حتى تستفيق لتحقيق ما عجزت كل الدول الاستعمارية عن تحقيقه لليهود.

 

وبالتوازي مع الاتصالات التي كانت تجري لإصدار هذا الوعد، كان يتم تبادل مراسلات الشريف حسين ـ مكماهون، والتي كانت تتعهد فيها بريطانيا للشريف حسين بتنصيبه ملكاً على بلاد الشام إذا تحالف معها للثورة على الحكم العثماني.. وهنا لا بد أن نؤكد على أن بريطانيا قالت في إحدى رسائل مكماهون إنها.. ودون أن تبدي الأسباب.. ستستثني من الأراضي التي ستضعها تحت حكم الشريف، المنطقة الغربية من سوريا، والتي أصبحت فيما بعد فلسطين بشكلها الذي سلم لليهود، ولم يكن الشريف حسين يطلب تثبيت الوعود على شكل معاهدات.

 

وفي نفس الوقت تماما، كانت بريطانيا الماكرة (كما كانت تسميها حليفتها فرنسا) تجري مفاوضات مع الأمير عبد العزيز آل سعود، وتعده بعكس ما تعد به الشريف حسين وخاصة فيما يتعلق بحكم الجزيرة العربية، ولذلك فإن هذا الأمير كان يصرّ على أن يصاغ كل ما يقال له على شكل معاهدات مكتوبة وموقعة.

 

وفي نفس الوقت كانت تجري مع فرنسا وروسيا مفاوضات مع جمال باشا الوالي العثماني على المنطقة لإغرائه بالاستقلال عن أمه الإمبراطورية العثمانية الضعيفة والوقوف مع الحلفاء ضد ألمانيا،

 

وفي نفس الوقت، كانت بريطانيا وفرنسا تجريان مفاوضات بدون علم الآخرين، لاقتسام المنطقة فيما سمي لاحقا باتفاقية سايكس ـ بيكو التي وقعت في العام 1916م ،أي قبل وعد بلفور بأشهر، وهي المعاهدة التي لم يتم تنفيذها، ولكن بعد الحرب عام 1920م نفذت ضمن اتفاقات جديدة مبنية عليها في مؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر، لأن الثورة البلشفية في روسيا فضحت هذه المعاهدة وأعلنتها على الملأ بكل ما فيها من قذارة وانحطاط اتصف بهما المستعمر الغربي ويتصف بهما حتى يومنا هذا.

 

وفي الوقت نفسه وعد تشرشل وجهاء المنطقة عام 1920م بعدم إنشاء دولة يهودية، وقال: "انه مجرد ملجأ قومي لهؤلاء المساكين!!!"[7]

 

 

 

الدوافع الحقيقية لوعد بلفور:

 

ذكرنا آنفا أن اهتمام بريطانية بفلسطين جاء مبكراً وكان لأسباب اقتصادية صرفة، إلا أنه هناك ما لم يذعْ للعلن، وما لا يعرفْه كثيرون أن التماهي الكبير بين بريطانية والحركة الصهيونية هو الذي دفع باتجاه إصدار هذا الوعد, وهذه الدوافع يمكن أن نلخصها في الآتي:

 

1. تحقيق ما يعتقد أنّه تعاليم المسيحيّة: فتصاعد النزعة الصهيونيّة المسيحية جعل فكرة "عودة" اليهود إلى أرض فلسطين تبرز بقوّة كشرط لعودة المسيح عليه السلام ودخول اليهود في المسيحيّة وبالتالي نهاية العالم، وهو ما يعني أنّ تسهيل احتلال اليهود لأرض فلسطين كان عبارة عن نوع من العمل الديني المسيحي لدى الصهاينة الغربيّين، أي أنّ منشأه "لم يكن حبّا في اليهود ولكن تطبيقا لمعتقدات دينية متطرفة".

 

2. ضمان تأييد اليهود في العالم في حربهم مع الحلفاء وتأييدهم لهم ولا سيما اليهود الموجودون في الولايات المتحدة الأمريكية الذين دفعوا بالفعل أمريكا إلى دخولها الحرب رسميا في العام 1917.

 

3. التنافس الإمبريالي على السيادة والمصالح الإستراتيجيّة: ففي الوقت الذي كان لفرنسا موطأ قدم في فلسطين بعلاقتها مع المسيحيين الكاثوليك هناك وروسيا بعلاقتها بالأورثوذكس فإنّ بريطانيا لم يكن لها من بين السكّان الأصليّين حليف، وهو ما جعلها تسعى إلى أن تعقد تحالفاً مع الصهاينة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنّ موقع فلسطين الاستراتيجي كنقطة التقاء لثلاث قارات وسعي ألمانيا وروسيا وفرنسا إلى تعزيز مواقعهم إما بمدّ شبكة القطار من برلين إلى بغداد أو بالسيطرة على البوسفور أو بمحاولة السيطرة على منطقة الشام ككلّ، كلّ ذلك جعل بريطانيا تفكّر بجدية في بسط النفوذ على فلسطين حتى تضمن عدم تحوّلها إلى أيادي أخرى بعد الحرب، وبالتالي تضمن مصالحها الإستراتيجيّة لفترة طويلة.[8]

 

4. حمل يهود روسيا ويهود الدول المحايدة لتأييد قضية الحلفاء ولا سيما منع انخراط اليهود في صفوف الحزب الشيوعي الذي وقف ضد مواصلة روسيا الحرب.

 

5. المركز المالي الذي يتمتع به اليهود في العالم وما كان له من أثر في كسب الحرب لصالح الحلفاء.

 

6. تنفيذ الوعد الذي قطعته بريطانية لحاييم وايزمن (أول رئيس للكيان الصهيوني وأحد مؤسسيه) بإنشاء وطن قومي لليهود حين تمكن وايزمن من تحضير الجلسرين وإنتاجه من السكر بالتخمير ثم استخدمه في عمل المتفجرات وعرضت عليه الحكومة البريطانية أن تشترى منه حق الاختراع مقابل ما يطلبه, و كان طلب وايزمان هو الحصول على وعد من الحكومة البريطانية بوطن قومي لليهود في فلسطين مقابل حق انتفاع الجيش البريطاني بالجلسرين المبتكر لصناعة المتفجرات التي استخدمها ضد الجيش الألماني، ووافق لويد جورج على شرط وايزمان وكلف وزير خارجيته بلفور بأن يعلن وعده لليهود.

 

7. في عام 1952 نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية عن فترة 1919 ـ 1939، بما فيها تلك التي تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين، ويتضمن المجلد الرابع من المجموعة الأولى، في الصفحة السابعة نقلا عن مذكرة وضعها آرثر بلفور في عام 1917 ما يأتي:

 

"ليس في نيّتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع أن اللجنة الأميركية تحاول استقصاءها، إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية، وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة، فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد وفي الحاجات الحالية وفي آمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة".

 

أما بالنسبة للاستيطان اليهودي في فلسطين فقد أوصى في الجزء الأخير من هذه المذكرة بما يلي:

 

"إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود، ولذا فإن من المرغوب فيه أن تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصّها بشكل طبيعي سواء أكان ذلك عن طريق توسيع حدودها شمالاً (أي باتجاه لبنان) أم عن طريق عقد معاهدة مع سورية الواقعة تحت الانتداب (الفرنسي) والتي لا تعتبر المياه المتدفقة من (الهامون) جنوبا ذات قيمة بالنسبة لها، وللسبب ذاته يجب أن تمتد فلسطين لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن".

 

آمن بلفور كما أوضح في كتابه العقيدة والإنسانية "Theism and Humanity" أن الله منح اليهود وعداً بالعودة إلى أرض الميعاد، وإن هذه العودة هي شرط مسبق للعودة الثانية للمسيح، وإن هذه العودة الثانية تحمل معها خلاص الإنسانية من الشرور والمحن ليعمّ السلام والرخاء مدة ألف عام تقوم بعدها القيامة وينتهي كل شيء كما بدأ.

 

اكتسب بلفور هذه الثقافة من عائلته، وخاصة من والدته التي تركت في شخصيته الدينية بصمات واضحة من إيمانها بالعقيدة البروتستنتية المرتبطة أساساً بالعهد القديم وبما يبشّر به من خلال النبوءات التوراتية. [9]

 

ولأجل هذه الدوافع جميعها دون استثناء أصبحت بريطانيا مستعدة لإطلاق هذا الوعد، وقد وجه هذا الوعد للورد روتشليد في الثاني من نوفمبر من عام 1917م من قبل وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور وهذا نصه:

 

 

 

عزيزي اللورد "روتشيلد"

 

يسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرّته:

 

"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهومًا بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.

 

وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علمًا بهذا التصريح .

 

المخلص : آرثر بلفور".

 

 

 

من هو روتشيلد :

 

يدعى مؤسس عائلة روتشيلد "إسحق إكانان"، ولقَب "روتشيلد" يعني "الدرع الأحمر"، في إشارة إلى "الدرع" الذي ميز باب قصر مؤسس العائلة في فرانكفورت في القرن السادس عشر، وكان "ماجيراشيل روتشيلد" يعمل تاجر العملات القديمة، وعمل على تنظيم العائلة ونشرها في مجموعة دول، وتأسيس كل فرع من العائلة لمؤسسة مالية، وتتواصل هذه الفروع وتترابط بشكل يحقق أقصى درجات النفع والربح على جميع الجالية اليهودية في العالم كله, وكانت بيوت روتشيلد تنضم مع سياسة البلاد التي تسكنها أثناء الحروب النابليونية في أوروبا، حتى كان الفرع الفرنسي يدعم نابليون ضد النمسا وإنجلترا وغيرها، بينما فروع روتشيلد تدعم الحرب ضد نابليون في هذه الدول، ولكنها في النهاية تهتم بمصلحة اليهود, وهذا يدل على الأخلاق السيئة التي يتمتع بها اليهود.

 

وكان "ليونيل روتشيلد" (1868/1937م) هو المسؤول عن فروع إنجلترا، وزعيم الطائفة اليهودية في إنجلترا في هذا الوقت، وتقرب إليه كل من "حاييم وايزمان" ـ أول رئيس لإسرائيل فيما بعد ـ و"ناحوم سوكولوف"، ونجحا في إقناعه في السعي لدى حكومة بريطانيا لمساعدة اليهود في بناء وطن قومي لهم في فلسطين، وإمعانًا في توريطه تم تنصيبه رئيسًا شرفيًا للاتحاد الصهيوني في بريطانيا وأيرلندا.

 

ولم يتردد "ليونيل"، بل سعى ـ بالإضافة لاستصدار التعهد البريطاني المعروف باسم وعد بلفور ـ إلى إنشاء فيلق يهودي داخل الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وتولى مسؤولية الدعوة إلى هذا الفيلق، وجمع المتطوعين له "جيمس أرماند روتشيلد" (1878-1957م)، كما تولّى هذا الأخير رئاسة هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين، وتولّى والده تمويل بناء المستوطنات والمشاريع المساعدة لاستقرار اليهود في فلسطين، ومن أهم المشروعات القائمة حتى اليوم مبنى الكنيست الإسرائيلي في القدس.[10]

 

 

 

وعد بلفور بين القانون الدولي والقانون الإنساني:

 

اتخذت الحركة الصهيونية العالمية من هذا الكتاب مستنداً قانونيا يدعمون به مطالبهم في سبيل إقامة الدولة اليهودية فهل لهذا التصريح أهلية قانونية؟ وقد أجمع رجال القانون في العالم على عدم شرعية هذا الوعد للأسباب التالية:

 

أولاً:

 

إن التصريح ليس معاهدة وليس لهذه الرسالة أية قيمة قانونية باعتبار إن وعد بلفور يمنح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذا التصريح.

 

فالقوات البريطانية احتلت الأراضي الفلسطينية بشكل تدريجي بدءاً من غزة في 7 نوفمبر عام 1917 ثم احتلت يافا في السادس عشر من نوفمبر من نفس العام، و احتلت القدس في التاسع من ديسمبر من نفس العام أيضاً، و حتى ذلك الوقت كانت فلسطين جزءاً من ولايتي طرابلس وبيروت في الدولة العثمانية التي رفضت تصريح وعد بلفور، ولم تعترف بحق اليهود في فلسطين ولم يرض سكان فلسطين العرب بهذا التصريح و قاوموا مطالب الصهيونية .

 

فالحكومة البريطانية بإصدارها هذا الوعد قد خولت لنفسها الحق في إن تتصرف تصرفاً مصيرياً في دولة ليست لها عليها أية ولاية وتعطيه للآخرين دون أن ترجع إلى أصحاب هذا الإقليم، مما يجعل هذا الوعد باطلاً من وجهة نظر القانون الدولي و غير ملزم للفلسطينيين.

 

ثانياً:

 

إن وعد بلفور تنعدم فيه الأهلية القانونية فطرف "التعاقد" مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص و ليس دولة، فوعد بلفور خطاب أرسله بلفور إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي و هو روتشيلد.

 

و من صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معلوم أن يكون طرفا أو أطراف التعاقد من الدول أولاً ثم من الدول ذات السيادة ثانياً, أو الكيانات السياسية ذات الصفة المعنوية المعترف لها بهذه الصفة قانونياً.

 

أما التعاقد أو الإنفاق أو التعاهد مع الأفراد فهو باطل دولياً شكلاً وموضوعاً ولا يمكن بأي حال من الأحوال امتداد أثر مثل هذا التعاقد بالنسبة لغير أطرافه وبالنتيجة فإنه ليس ملزماً حتى لإطرافه.

 

ثالثاً:

 

إن وعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الصهيونية لطرد شعب فلسطين من دياره وإعطائها إلى غرباء، فإنه من أسس التعاقد الدولي مشروعية موضوع التعاقد بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائزاً و تقره مبادئ الأخلاق ويبيحه القانون وكل تعاقد يتعارض مع إحدى هذه الشروط يعتبر في حكم الملغى و لا يمكن أن يلزم أطرافه.

 

رابعاً

 

وعد بلفور هو اتفاق غير جائز بالمطلق ذلك أنه يجسد صورة انتهاك لحقوق شعب فلسطين وهذا يعتبر مخالفاً لمبادئ الأخلاق والقانونين الدولي والإنساني. ويرفض القانون الدولي انتهاك حق الشعوب في الحياة والإقامة في بلادها, وتهجيرها قسرا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وماذا بعد؟

 

إن وعد بلفور ليس أول ولا آخر وعد يقدم لليهود عبر التاريخ, فهو مجرد حلقة وصل في زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمتين العربية والإسلامية, وهو استكمال لما بدأه نابليون حين وعد اليهود بتأسيس كيان لهم في فلسطين.

 

لقد وجد اليهود اليوم من يعدهم بأكثر مما وعد بلفور وهم الأمريكان الذين يطلقون وعودهم على مدار الساعة بحماية الكيان الصهيوني وقيادته السياسية وبتحقيق الأمن والسلام والتفوق العسكري والأمني, وغض الطرف عن كل الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين يومياً وعلى مرأى من العالم, والضغط على المجتمع الدولي حتى يتمكنوا من إبادة آخر فلسطيني في ديار بيت المقدس وأكنافه, وهذا ما لن يراه اليهود يوماً.

 

وإن العالم اليوم أجمعه يرى حصاد نابليون وبلفور وبوش وغيرهم الكثيرين ممن قدموا وعودا لليهود, بمقابل أو دون مقابل, هذا الحصاد المر الذي تجرعه الشعب الفلسطيني على مدار ستة عقود من تهجير واعتقال وقتل وحصار, وهو مستمر وسيبقى كذلك مادام على أرض فلسطين مغتصب واحد لأرضها.

 

وما نراه اليوم في غزة وسواها ليس سوى مرحلة من عدة مراحل ذاق الفلسطينيون فيها الألم وظلموا مراراً وتكرارا على أيدي اليهود الذي ثبتوا دعائم وجودهم بفرنسا وبريطانيا وأمريكا وغيرهم بسبب وعد بلفور والوعود الأخرى.

 

 

 

 

[1] George E.Kirk - A short history of the middle East - METHUEN- London- 1966- P - 147

 

[2] إميل توما - جذور القضية الفلسطينية - مركز الأبحاث- م. ت. ف- بيروت - حزيران 1973 - ص 29

 

[3] يوميات هرتزل - الدولة اليهودية ص20

 

[4] المرجع السابق 546

 

[5] البعد الديني في وعد بلفور محمد السماك

 

[6] إميل توما - ستون عاما من الحركة القومية العربية الفلسطينية- ص6

 

[7] وعد بلفور وسايكس بيكو.. الذكرى والدرس الذي لا يحفظه أحد منا.. ووعد بوش- م . علي الحتر - موقع إلكتروني

 

 

[8] د. داود عبد الله- ندوة عامّة في مقرّ مجلس العموم البريطاني بعنوان: "وعد بلفور ودوره في نشوب الصراع" 2 11 2002

 

[9] البعد الديني في وعد بلفور - محمد السماك

 

[10] اللورد روتشيلد مستلم وعد بلفور وقصة عائلة روتشيلد- الموقع الإلكتروني - SSNP. NET

 

 


| رمز الموضوع: 305491







المستعمل تعليقات

الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)