الاثنين 18 ربيع الثاني 1441 
qodsna.ir qodsna.ir

لقاء الخریف.. حقیقة الأهداف الأمیرکیة ـ الإسرائیلیة

کتب ماهر الطاهر عضو المکتب السیاسی للجبهة الشعبیة لتحریر فلسطین فی مقال :

فی ظل وضع صعب ومعقد للغایة تعیشه القضیة الفلسطینیة وحالة انقسام عمیق فی الوضع الداخلی الفلسطینی، وحالة تشرذم وانقسام وتجاذبات فی الواقع العربی، وفی ظل احتلال العراق ومحاولات تقسیمه وتجزئته إلى دویلات وطوائف، دعا الرئیس الامیرکی جورج بوش إلى عقد لقاء دولی فی الخریف لبحث تحریک ما یسمى بـ «عملیة السلام» على المسار الفلسطینی، ولم یتضح إلى الآن جدول أعمال وبرنامج الاجتماع والأطراف المدعوة له.
إن حصیلة خمسة عشر عاماً من المفاوضات مع إسرائیل بعد توقیع اتفاقات أوسلو کانت المزید من الاستیطان وفرض الحصار والعزل والتجویع وارتکاب جرائم الحرب والتدمیر والاغتیال والاعتقال وتشیید جدار الفصل والتوسع لنهب ومصادرة الأرض وتمزیقها وتهوید القدس ومحاولة فصل القضیة الفلسطینیة عن بعدها العربی، ما أوصل رهان أوسلو إلى فشله المحتوم فی مفاوضات کامب دیفید عام 2000 لتشتعل انتفاضة الأقصى التی خذلها النظام الرسمی العربی فی غالبیته، وتجاهل فریق أوسلو مغزاها السیاسی عبر القبول بخارطة الطریق کخطة امیرکیة لتصفیة الانتفاضة والمقاومة وتعمیق الارتهان للإرادة الامیرکیة، کانت تلک حصیلة الرهان على مفاوضات عبثیة وفق المرجعیة الامیرکیة،. والیوم بعد أن وصلت الرهانات الخاسرة إلى طریق مسدود وبعد أن أعلن السید عمرو موسى الأمین العام لجامعة الدول العربیة قبل بضعة شهور أن الولایات المتحدة الامیرکیة تضحک على العرب وسلمت ما یسمى بـ«العملیة السلمیة» بالکامل إلى «إسرائیل»، الیوم تتجدد الرهانات الخاسرة مرة أخرى، وتواجه الحقوق والمصالح الفلسطینیة والعربیة وتطلعاتها مخاطر الاجتماع الدولی الذی دعا له الرئیس الامیرکی جورج دبلیو بوش والذی سترأسه وزیرة الخارجیة الامیرکیة کوندلیسا رایس التی کانت قد بشرت العرب أثناء العدوان الصهیونی على لبنان فی تموز العام الماضی بأن المنطقة تشهد مخاضا لمیلاد شرق أوسط جدید لا مکان فیه للقومیة والعروبة وثقافة المقاومة والتمسک بالحقوق والأوطان ومصالح الشعوب.
إن السؤال الأساسی المطروح بصدد الدعوة للاجتماع الدولی یتعلق بتوقیت هذه الدعوة وحقیقة أهدافها ودوافعها، خاصة مع اقتراب موعد انتهاء ولایة بوش الثانیة التی لم یبق لها سوى عام ونیف وبدء الإعداد للانتخابات الامیرکیة القادمة.
هل حقاً یسعى الرئیس الامیرکی لتحقیق إنجاز واختراق تاریخی فی إیجاد حل شامل للقضیة الفلسطینیة وللصراع العربی ـ الإسرائیلی قبل إنهاء ولایته؟
هل یسعى الرئیس الامیرکی حقاً لممارسة ضغوط جادة وفاعلة على إسرائیل کی تلتزم بتطبیق قرارات الأمم المتحدة والشرعیة الدولیة المتعلقة بالقضیة الفلسطینیة والانسحاب من الأراضی العربیة المحتلة؟
الجواب، واضح کل الوضوح. فقد أهملت الإدارة الامیرکیة خلال السنوات السبع الماضیة الملف الفلسطینی وقامت باقتراف جریمة احتلال العراق وقتل مئات الألوف من سکانه وتشریدهم تمهیداً لتقسیمه وتجزئته کمقدمة لمحاولة تفتیت وتجزئة المنطقة بأسرها، لتکون إسرائیل القوة الکبرى المسیطرة اقتصادیاً وأمنیاً وعسکریاً.
إن من یرید إیجاد حل شامل وحقیقی لقضیة فلسطین والصراع العربی ـ الإسرائیلی لا یقدم کتاب ضمانات خطیة یؤکد فیه صاحب الدعوة لمؤتمر الخریف أن الولایات المتحدة تتعهد لإسرائیل بأن أی حل سیاسی على المسار الفلسطینی لن یقوم على قاعدة الانسحاب من کامل الأراضی المحتلة عام 1967 ولن یتضمن الإقرار بحق العودة للاجئین الفلسطینیین، ولن یتضمن الانسحاب الکامل من القدس، ولن یؤدی إلى إزالة الکتل الاستیطانیة الکبرى فی الضفة الفلسطینیة، ولذلک فقد أعلنت إسرائیل أن أی حل سیکون مستندا لکتاب الضمانات الذی قدمه الرئیس الامیرکی.
إذا کانت الولایات المتحدة الامیرکیة هی المرجعیة الوحیدة لما یسمى بعملیة السلام ولیس قرارات الأمم المتحدة والشرعیة الدولیة ومبادئ القانون الدولی، وإذا کانت هذه المرجعیة قد أعطت کتاب الضمانات لمن یحتل الأرض الفلسطینیة، یصبح السؤال المرکزی هو: هل نحن أمام عملیة تسویة للقضیة الفلسطینیة أم عملیة تصفیة؟
إذا کان الحل المطروح یستهدف تبدید حق عودة اللاجئین الفلسطینیین إلى أرضهم وممتلکاتهم التی هجروا منها قسراً عام 1948 وهو الحق الذی صانته قرارات الأمم المتحدة وخاصة القرار ,194 وإذا کان الحل یستهدف إبقاء الکتل الاستیطانیة الکبرى والسیطرة على القسم الأکبر من أراضی الضفة الفلسطینیة وطرح فکرة تبادلیة الأراضی، وإذا کان هذا الحل یستهدف استمرار السیطرة والاستیلاء على مدینة القدس والانسحاب من بعض الأحیاء فقط وإبقاءها عاصمة أبدیة لـ«إسرائیل»، فإن هذا یعنی ضرب ونسف وعرقلة قیام دولة فلسطینیة مستقلة ذات سیادة حقیقیة وإیجاد کیان فلسطینی یتشکل من معازل وکانتونات مسیطر علیه إسرائیلیاً بشکل کامل سیاسیاً واقتصادیاً وأمنیاً وعسکریاً یحل مشاکل الاحتلال الإسرائیلی ولیس معاناة الشعب الفلسطینی المتواصلة على مدى عقود طویلة.
إن الهدف الحقیقی لاجتماع الخریف لیس إیجاد تسویة للقضیة الفلسطینیة، بل محاولة جدیدة لتصفیة الحقوق الوطنیة الفلسطینیة وتحقیق أغراض ومصالح امیرکیة وإسرائیلیة أبرزها ما یلی:
أولاً: إن توقیت انعقاد المؤتمر یرتبط بسعی الرئیس الامیرکی للتغطیة على المشاکل الکبرى والأزمة الشدیدة التعقید التی تعیشها الإدارة الامیرکیة فی العراق، والتی انتقلت إلى الداخل الامیرکی وباتت أحد العناوین الرئیسیة للانتخابات الرئاسیة الامیرکیة المقبلة. لا شک فی أن صورة الإدارة الامیرکیة والرئیس بوش من العالم أجمع أصبحت تعنی الحرب والقتل والدمار والکذب والخداع ونشر الفوضى والفشل، الأمر الذی أدى إلى انخفاض شعبیة الرئیس الامیرکی إلى أدنى مستوى حیث لم تتجاوز نسبة التأیید له الـ31 وهذا سیؤثر بکل تأکید على الحزب الجمهوری فی الانتخابات الامیرکیة القادمة، ولذلک تسعى الإدارة على ضوء الفشل الذریع لسیاستها فی العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطین وعموم المنطقة إلى محاولة تحسین صورتها داخلیاً وخارجیاً فی حملة علاقات عامة وعقد اجتماع تحضره (34) دولة کی تصور إدارة بوش للعالم وبصورة مخادعة أنها لیست إدارة تشعل الحروب والأزمات فقط، بل هی تسعى لحل القضیة الفلسطینیة وتعمل لإیجاد «سلام» فی المنطقة.
ثانیاً: إن إدارة بوش وبعد فشل العدوان الإسرائیلی المدعوم امیرکیاً على لبنان فی 12 تموز الماضی والذی کان یستهدف تدمیر البنیة التحتیة لحزب الله ونزع سلاحه والقضاء على المقاومة اللبنانیة تمهیداً لتحویل لبنان إلى مرتکز للضغط على سوریا ومحاصرتها لخلق ما یسمى بـ«الشرق الأوسط الجدید» الذی تهیمن فیه الولایات لمتحدة وإسرائیل على عموم المنطقة... بعد الفشل الذریع لهذا العدوان والصدمة التی أصیبت بها إسرائیل والإدارة الامیرکیة نتیجة الانتصار التاریخی للمقاومة اللبنانیة بقیادة حزب الله والهزیمة التی فاجأت الجیش الإسرائیلی وما ولده کل ذلک من تفاعلات ومعانی استراتیجیة حول انتصار مفهوم المقاومة وهزیمة منطق الاستسلام والخضوع، وأن هزیمة إسرائیل وجیشها المدجج بالسلاح إمکانیة واقعیة ولیست أضغاث أحلام کما حاول البعض أن یروج ولا یزال إذا توفرت الإرادة السیاسیة وإرادة الصمود والمواجهة.
هذا الانتصار أقلق دوائر صنع القرار فی واشنطن خاصة بعد أن وصلت المفاوضات حول ما یسمى بعملیة السلام إلى طریق مسدود، وأصبح واضحاً للعیان أن ما یجری لیس عملیة سلام، بل توسیع للاستیطان وخلق حقائق جغرافیة ودیموغرافیة على الأرض الفلسطینیة المحتلة. ولذلک فإن الإدارة الامیرکیة تحاول مرة أخرى تجدید الأوهام عند المراهنین على حل سیاسی وفق المرجعیة الامیرکیة لمواصلة سیاسة کسب الوقت والخداع والتضلیل ومحاولة تطویق النتائج الاستراتیجیة للانتصار الذی تحقق فی لبنان وانعکاساته فی عموم المنطقة، بل أکثر من ذلک تسعى الإدارة الامیرکیة لمحاولة خلق تناقضات واصطفافات فی الواقع العربی الرسمی لتمریر مخططات عدوانیة تستهدف سوریا وإیران ومحاصرة وضرب المقاومة فی العراق ولبنان وفلسطین.
ثالثاً: إن أحد أهم أهداف مؤتمر بوش محاولة توسیع رقعة التطبیع الرسمی العربی مع إسرائیل بغرض تهمیش القضیة الفلسطینیة وسلخها عن بعدها القومی، حیث یدور الحدیث عن توجیه دعوة لـ(12) دولة عربیة لحضور الاجتماع الدولی منها عدد من دول الخلیج ( الفارسی) وخاصة المملکة العربیة السعودیة بما تمثله من ثقل على الصعید العربی.
إن الولایات المتحدة الامیرکیة تسعى لفرض التطبیع مع الدول العربیة من دون أن تقدم إسرائیل أیا من استحقاقات السلام والانسحاب من الأراضی الفلسطینیة والعربیة المحتلة. لذلک مطلوب من الدول العربیة أن ترفض هذه الدعوة وتوجه رسالة واضحة للإدارة الامیرکیة وإسرائیل بأن العرب لا یمکن أن یقدموا هدایا وتنازلات مجانیة لکیان یرفض السلام ویتنکر لکل قرارات الأمم المتحدة ویتصرف کدولة فوق القانون الدولی ومبادئ الشرعیة الدولیة.
رابعاً: إن الدعوة لاجتماع الخریف تأتی فی ظل لحظة ضعف وانقسام داخلی فلسطینی عمیق خاصة بعد الاقتتال الداخلی فی قطاع غزة بین حرکتی فتح وحماس وما ترتب عنه من تداعیات خطیرة ووجود حکومتین فی ظل الاحتلال.
إن هذا الانقسام الداخلی ترک آثار ضارة جداً على الوضع الفلسطینی، تسعى الإدارة الامیرکیة إلى تعمیقه وتوسیعه لأنها تدرک أن العدید من الفصائل والقوى والفاعلیات الفلسطینیة سترفض استهدافات هذا اللقاء المسموم، کما تسعى الإدارة الامیرکیة إلى وضع العراقیل أمام الحوار الوطنی الفلسطینی ـ الفلسطینی لبناء وحدة وطنیة فلسطینیة حقیقیة وشاملة تقوم على أساس التمسک بالثوابت الوطنیة الفلسطینیة ورفض المساومة على هذه الثوابت.
خامساً: یستهدف مؤتمر بوش قطع الطریق على الدعوات الرافضة لبقاء إسرائیل فوق القانون الدولی عبر إدامة التفرد الامیرکی بملف الصراع العربی ـ الصهیونی وجوهره القضیة الفلسطینیة ومواصلة تغییب دور الأمم المتحدة وقرارات الشرعیة الدولیة ذات الصلة، واستمرار التفاوض علیها بدلا من تطبیقها، وبما یلبی غرض استعادة الحقوق الفلسطینیة والعربیة المغتصبة والذی یأتی لقاء الخریف لتجدید الالتفاف علیها وإعادة رهنها لعبثیة التفاوض المباشر والتفرد فیما لم تجلب مسیرة أوسلو وقبلها مدرید غیر الکوارث على قضیتنا الوطنیة.
سادساً:
یستهدف مؤتمر بوش من جدید محاولة الحصول على تنازلات فلسطینیة جدیدة وخاصة قضیة اللاجئین الفلسطینیین التی تشکل جوهر وأساس قضیة فلسطین لأن الروایة الفلسطینیة لم تبدأ عام ,1967 بل قبل ذلک بکثیر عندما تم طرد الشعب الفلسطینی من أرضه ودیاره عام 1948 من خلال اقتراف جریمة من أکبر جرائم العصر الحدیث، جریمة اقتلاع شعب فلسطین من وطنه وتشریده فی کل أصقاع الأرض.
لقد أعلنت وزیرة الخارجیة الامیرکیة رایس أن القیادة الفلسطینیة لن تستطیع تقدیم تنازلات جوهریة ما لم یتم إسنادها من الجانب العربی، وهذه دعوة واضحة للأنظمة العربیة کی تمارس ضغوطا على الفلسطینیین لتقدیم تنازلات جدیدة. وکذلک أعلنت وزیرة الخارجیة الإسرائیلیة تسیبی لیفنی أنه على العرب أن لا یکونوا فلسطینیین أکثر من الفلسطینیین أنفسهم، وعلیهم أن یفسحوا لهم المجال لتقدیم تنازلات جوهریة لإسرائیل وخاصة بالنسبة لموضوع حق عودة اللاجئین الفلسطینیین.
إن الإدارة الامیرکیة وإسرائیل سوف تسعیان للحصول على تنازلات فلسطینیة جدیدة، وإذا لم یتمکنا من ذلک فلن یصدر عن الاجتماع الدولی سوى موقف عام یقول بأن المفاوضات ستستمر وسیواصل الجانبان محاولات التوصل إلى سلام لأن إسرائیل ترفض تحدید جداول زمنیة للمفاوضات، وترفض بحث القضایا الجوهریة.
لا شک فی أن رئیس الوزراء الإسرائیلی إیهود أولمرت تم تهدیده من قبل أطراف فی الائتلاف الحکومی بأنها ستنسحب من الحکومة إذا تم مجرد طرح القضایا الجوهریة المتعلقة باللاجئین والقدس، لذلک نراه یقول إن على الفلسطینیین خفض سقف التوقعات. وإذا ما أضفنا لذلک أن شعبیته لا تتجاوز نسبة الـ10 نستطیع أن نتصور ماذا یمکن لإسرائیل أن تقدم فی هذا الملتقى.
ومن هنا، فإن الضغوط الامیرکیة وغیرها سوف تترکز على الجانب الرسمی الفلسطینی الذی یعرف جیداً أن شعب فلسطین وقواه الوطنیة وفاعلیاته الاجتماعیة لن تقبل بتقدیم المزید من التنازلات.
ن/25



 

 


| رمز الموضوع: 142726







الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)