السبت 26 شوال 1443 
qodsna.ir

أنابولس: أحلام المتفائلین وشؤم الوقائع

خریف أنابولس: أحلام المتفائلین وشؤم الوقائع والمواقف

 

 أصبح بحکم المؤکد انعقاد مؤتمر أنا بولس الأمریکی أواخر هذا الشهر بمشارکة عربیة وازنة خصوصاً ما یطلق علیه محور الاعتدال، والرباعیة الدولیة، کما تتوارد أنباء عن مشارکة سوریة کان شرطها حتى اللحظة إدراج قضیة احتلال الجولان على جدول أعمال المؤتمر.

إن ما یلفت الانتباه حول حسم موضوع عقد المؤتمر فی هذا التاریخ هو أنه لا وثیقة مشترکة حتى الآن متفق علیها بین طرفی الصراع الفلسطینی الإسرائیلی، الأمر الذی یزید من مخاوف الفلسطینیین بأنهم ذاهبون لطبخة بحص وحملة علاقات عامة أمریکیة إسرائیلیة تستهدف أساساً مصلحة الطرفین بعیداً عن الحقوق الأساسیة للشعب الفلسطینی.

لعله من المفید التطرق لاستهدافات المؤتمرین والجهة الداعیة لفهم حقیقة ما یجری والنشاط المحموم للإدارة الأمریکیة لإنجاح المؤتمر ولو شکلیاً. فی هذا الإطار وبغض النظر عن قرب انتهاء ولایة بوش الابن وأهمیة الرغبة الشخصیة فی ترک المنصب بإنجاز یسجله له التاریخ فی أعقد وأخطر صراع یجری منذ قرن فان السیاسة الأمریکیة ومصلحة الإدارة الحالیة والدیمقراطیة إن تغیرت هی فی إیجاد ظروف أکثر ملاءمة لتنفیذ المشروع الأمریکی لهذه المنطقة الحیویة عبر الانتهاء من الملف الأکثر إحراجاً لها والمتسبب فی إیذاء سمعتها وعرقلة مساعیها بالخصوص، کما أن استمرار المعرکة فی العراق وآفاق الأزمة النوویة الإیرانیة یدفعان هذه الإدارة للتفرغ لهما ولن یتأتى ذلک إلا بطی صفحة المعضلة الفلسطینیة أو أقله تبرید الملف الفلسطینی وتحریر الحلفاء العرب من تبعاته.

وفی الجانب الإسرائیلی فان حکومة أولمرت الضعیفة والمنقسمة بشأن هذا الملف تجد أن هناک فرصة لتسویة تاریخیة مربحة فی ظل الانقسام الحاد على الساحة الفلسطینیة والخیبة الواضحة لدى الشعب الفلسطینی من قیادته بشقیها ورغبته بالتخلص منها حتى لو کان هذا بعودة الاحتلال. کما أن الفرصة مواتیة لتطبیع مجانی مع العرب فی ظل الانقسام والتخبط الذی یسود المنطقة العربیة تجاه جملة من العناوین لیس أعقدها انتخابات الرئاسة اللبنانیة، وفی ظل اختلاف الرؤى تجاه الملف النووی الإیرانی والخوف السائد فی منطقة الخلیج تجاه ذلک.

وفی الجانب الفلسطینی وبرغم الإنهاک البادی علیه جراء الصراع الدامی بین "فتح" و"حماس" وغیاب الوحدة الوطنیة فان القیادة الرسمیة وحکومتها برام الله ترى فی هذا اللقاء ومظلته الأمریکیة فرصة للحصول على بعض المکاسب أقلها فی الجانب الإعلامی، مع طموح لکسب مقبول شعبیاً على صعید قضایا الحل النهائی وخصوصاً اللاجئین والقدس وغیرها.

إذن نحن أمام لوحة لجدول مصالح الأطراف الرئیسیة الفاعلة فی هذا المؤتمر وهی ربما توضح أیضاً مصالح واستهدافات أطراف أخرى مشارکة سواء کانت عربیة أو دولیة.

فی ضوء ما تقدم ما هی آفاق نجاح المؤتمر؟ ثم هل هناک حقاً فرصة تاریخیة لحل شامل ومقبول للمشکلة الفلسطینیة یوقف الصراع أو یجمده لسنوات طویلة قادمة؟

فی کل الأحوال هناک أخبار یتم تسریبها بأن الطرفین الفلسطینی والإسرائیلی قد عقدا اتفاقات متنوعة تجاه قضایا اللباب حسب التعبیر الصهیونی وقضایا الحل النهائی أو الثوابت الوطنیة کما یسمیها الطرف الفلسطینی. ورغم فشل اللقاء الأخیر بین أولمرت وعباس فی الوصول لصیغة إعلان مبادىء یتم ترسیمه فی أنابولس إلا أن العارفین ببواطن الأمور یزعمون بأن ما نراه من الحراک هو فقط قمة الهرم وأن الأمور أضحت ناضجة لخطوة دراماتیکیة مفاجئة تحیی آمال المنطقة فی حل سلمی یجنبها صراعاً دامیاً وحروباً لن تتوقف طالما بقیت المشکلة قائمة.

وفی المقابل فان جملة من الوقائع والمواقف تناقض هذا الزعم وتقول بعکس ما یبدو من تفاؤل البعض ومضمون هذه التسریبات. لعله من المهم الآن وضع کل المعطیات ضمن جدول واضح للوصول لاستنتاجات أقرب ما تکون للدقة فیما یتعلق بالإجابة على السؤالین المطروحین آنفاً.

یستند المتفائلون على جملة معطیات تعزز رؤیتهم لمستقبل الحل وتتمثل للاختصار فیما یلی:

أولاً: الإعلان الإسرائیلی على لسان رئیس الوزراء بوقف الاستیطان وإزالة ما أسماه المستوطنات غیر الشرعیة، وهذا الإجراء کان الاستجابة الهامة للطلب الأکثر إلحاحاً من الجانب الفلسطینی الذی کان یرهن أی تقدم أو نجاح لوقف الاستیطان، وهی خطوة إسرائیلیة ذکیة وذات مغزى لا ضرورة لشرحها فی هذا المقال.

ثانیاً: الإفراج بدون شروط عن مجموعة لا تتجاوز 450 أسیراً فلسطینیاً کبادرة حسن نیة قبل بدء أعمال المؤتمر مع تخفیف بعض الإجراءات على طرقات الضفة المحتلة.

ثالثاً: الحدیث المتواتر عن وجود صفقة سیاسیة تعالج قضایا الحل النهائی الشائکة والمعقدة تلحظ مصلحة الطرفین ولا تضعهما فی تناقض صارخ مع جماهیر شعبیهما.

رابعاً: الجدیة الأمریکیة فی ملاحقة الحل على هذه الجبهة لضرورات الأمن القومی الأمریکی والمصلحة المنوه عنها سابقاً والتی تتطلب التفرغ لملفی إیران والعراق.

خامساً: التحرکات العربیة الموحیة بالتفاؤل وخصوصاً من أطراف المعتدلین والتصریحات الصادرة عن مرجعیاتهم بالخصوص، وقد لاحظنا فی هذا المجال الاختلاف البین بین تصریحات أبو الغیط وزیر خارجیة مصر السابقة والتی أبدى فیها رغبته بتأجیل انعقاد المؤتمر طالما افتقد للجدیة وللنتائج المتوقعة، وبین تصریحاته قبل یومین حول تفاؤله بنتائج طیبة وبرغبة مصریة فی حضور کل الأطراف بما فیها سوریا وطرح موضوعة الجولان.

سادساً: الحاجة الإسرائیلیة لمثل هذا الحل فی الوقت الراهن خصوصاً بالربط مع المشکلة النوویة الإیرانیة والأخطار المترتبة على أی حرب تنشب فی المنطقة جراء ذلک، کما یشیر لهذا التوجه الإسرائیلی الانسحاب من قطاع غزة والذی أنتج بالمحصلة الانفصال المجانی بین الضفة والقطاع وهو الهدف الذی سعى إلیه شارون ولیبرمان رجلا التطرف فی الدولة العبریة.

کما أن الحل على الجبهة الفلسطینیة سیجعل الانتهاء من قضیة الجولان والصراع مع سوریا أسهل وأیسر طالما کانت الحلول تجری منفردة على الجبهات العربیة.

هذه هی أهم المؤشرات والمعطیات التی تعزز رؤیة الحالمین بالسلام العادل أو الشامل الذی سینتجه مؤتمر أنا بولس وبنجاحه حسب توقعهم، وهی مؤشرات لا تشی باستنتاج مماثل على صعید انتهاء الصراع أو تجمیده طویلاً بحل نهائی للمشکلة الفلسطینیة.

وفی المقابل ولاکتمال اللوحة للوصول لاستنتاج قریب من الحقیقة فیما یخص الإجابة عن السؤالین نورد رؤیة المتشائمین المستندة لشؤم الوقائع والمواقف على النحو التالی:

أولاً: فشل اللقاء الأخیر بین الطرفین المتنازعین فی الوصول لوثیقة إعلان مبادئ للحل النهائی لیتم ترسیمها فی المؤتمر وهو ما یشیر لخلافات جدیة وعمیقة بین الطرفین لم تنجح کل اللقاءات على کثرتها والتدخل الأمریکی النشط من أجل إنجاحها.

ثانیاً: فشل الاتفاق على جدول زمنی للمفاوضات حول قضایا الحل النهائی مما یشیر لمراوغة إسرائیلیة تستهدف الضغط على الطرف الفلسطینی لتقدیم مزید من التنازلات شبه المستحیلة بعد کل التنازلات الصعبة والمحرجة التی قدمها المفاوض الفلسطینی تجاه الحقوق الفلسطینیة.

ثالثاً: إذا کان الاتفاق على جدول زمنی أقله عام کامل للمفاوضات حسب تصریحات الرئیس المصری فی لقائه أولمرت بشرم الشیخ على هذه الدرجة من الصعوبة والتعقید فما بالک بجدول تطبیق أی صیغة لحل المعضلات الحساسة والمعقدة کاللاجئین والقدس والحدود والأرض والمستوطنات القائمة وغیرها، إن هذا یعنی أن جیلاً کاملاً سینقرض قبل الوصول لنهایات مقبولة لهذه الجداول ویجعل من الأمر معادلة غیر قابلة للحل فی المدى المنظور.

رابعاً: إذا کان للطرف الفلسطینی أن یقدم تنازلاً اثر تنازل من أجل تسهیل مهمة الحکومة الإسرائیلیة لتسویق الاتفاقات حول قضایا اللباب فان حجم هذه التنازلات لا تفی بالغرض، لان الحد الأقصى لهذه التنازلات لا تتوافق مع الحد الأدنى للمطالب الإسرائیلیة للقبول بالحل، وهذا جوهر الموضوع ولب المشکلة، ولا تملک حکومة کالموجودة حالیاً القوة والشجاعة الکافیة للقبول بحل یقدم الطرف الفلسطینی مهزوماً ولکن بکرامة، ولا یملک الطرف الفلسطینی والرئیس عباس القدرة ولا المنعة ولا الرغبة أیضاً فی تقدیم تنازلات رفضها الرئیس الراحل یاسر عرفات.

خامساً: إن کل ما تقدم فیما یخص الایجابیات باتجاه التفاؤل تتعلق بالشکلیات باستثناء وقف الاستیطان وهو القرار الذی تلغیه أی جلسة لمجلس الوزراء بالتصویت، أو فی ظل انتخابات مبکرة وتغیر الحکومة الحالیة وهو ما درجت علیه إسرائیل فی تعاملها مع الطرف الفلسطینی، ولم تبق اتفاقیات أو تفاهمات احترمتها إسرائیل فلماذا هذه ستحترم وهی الموضوع الشائک والمختلف علیه فی دولة یهود، وفی ظل معتقدات توراتیة لا توفر حتى الیسار الإسرائیلی.

سادساً: إن الشرط الإسرائیلی بالاعتراف بیهودیة الدولة من أجل الوصول لحلول واتفاقات تساعد على إنشاء الدولة الفلسطینیة الموعودة وان کان شرطاً تکتیکیاً سیخلق تعقیدات وآلیات کبح للطرف الإسرائیلی المفاوض وسیجعل قدرته على المناورة باتجاه تقدیم بعض التنازلات صعبة ومعقدة، ومترافقاً مع قرار فی الکنیست الإسرائیلی بتشریع أی اتفاق بالثلثین یکون الطرف الصهیونی قد وضع کل العراقیل اللازمة لإفشال المؤتمر أو بالأحرى لإفشال الوصول لأی اتفاق نهائی أو حتى مرحلی یتعلق بقضایا الحل النهائی.

سابعاً: انه وبرغم الاهتمام العربی بنجاح المؤتمر والسعی لإیجاد تنسیق بین الأطراف المشارکة باتجاه دعم الحقوق والمطالب الفلسطینیة فان هذه الأطراف لا تملک أوراق ضغط کافیة على الطرف الأمریکی ولا الإسرائیلی من أجل تقدیم حلول معقولة ومقبولة من الطرف الفلسطینی وهی فی معظمها مشدودة باتجاه المشکلة الإیرانیة وملفها النووی لمنع وقوع الحرب، وبالتالی یضاف لاختلال موازین القوى المؤدیة لحل منصف للمشکلة الفلسطینیة غیاب التضامن العربی وأوراق الضغط العربیة من أجل حمل الإسرائیلیین والأمریکیین على القبول ببعض الطروحات العربیة بخصوص الحل الشامل والمبادرة العربیة بالخصوص.

وفی ضوء ما تقدم وبمقارنة سریعة سنجد أن کفة التشاؤم هی الأرجح وتقدم استنتاجاً واضحاً حول إمکانیة نجاح المؤتمر ونسبة هذا النجاح الضئیلة، مع فشل ذریع فی قضایا جوهریة لا یمکن الاتفاق النهائی بدونها، ولا یمکن الحدیث عن تجمید الصراع أو تهدئته دون التوصل فیها لقواسم یرتضیها الطرفان. إذن ما هی الصورة المتوقعة للمنطقة بعد المؤتمر وباتجاه الإجابة على السؤالین کما أسلفنا؟ یمکننا القول أن التهدئة حاصلة بسبب الانقسام الفلسطینی على کل الأصعدة وحالة الضعف العربی ومعضلاته شرقاً وغرباً، لکن الحل المأمول أمریکیاً وإسرائیلیاً وحتى فلسطینیاً لیس له مرتکزات فی الوقت الراهن والصراع سیستمر بوتائر أعلى فی المستقبل القریب، برغم مؤشرات نجاح ما لمؤتمر أنابولس لکن لیس بتحقیق الاستهدافات التی تطرقنا لها فی مطلع مقالنا بل باتجاه توحید جبهة التصدی للطموح الإیرانی فی المنطقة وتمهید الطریق أمام إنجازات أمریکیة بالخصوص وفی الملف العراقی، أما الفلسطینیین فلیس أمامهم سوى توحید صفوفهم وإعادة النظر فی کل تکتیکاتهم السابقة مع أهمیة التنسیق مع دول الطوق وخصوصاً سوریا ولبنان، مع إبقاء الروابط قویة مع مصر والسعودیة والأردن.

 

( المقال للکاتب الفلسطینی زیاد ابو شاویش )

ن/25


| رمز الموضوع: 140810







الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
  1. حماس: ليكن يوم غدٍ وما بعده جحيمًا على المحتل في كل مكان لاستنزافه وتشتيته وإرباكه
  2. الحساينة: المرابطون في الأقصى على قدر من المسؤولية ولا زالوا في ميادين الشرف والمقاومة
  3. استشهاد طفل فلسطيني إثر اصابته بجروح خطيرة جراء إطلاق الاحتلال النار عليه
  4. اصابة العشرات من الفلسطينيين خلال مواجهات مع الاحتلال في بيت دجن وبيتا بنابلس
  5. برهوم: كل تهديدات الاحتلال ليس لها اعتبار أمام قوة كتائب "القسام"
  6. ايران توقف ناقلتين يونانيتين
  7. فجر اليوم مقاومون فلسطينيون يطلقون النار تجاه قوات الاحتلال في مدينة جنين
  8. مستوطنون يحرقون مركبة ويحطمون نوافذ مسجد جنوب نابلس
  9. الجهاد الإسلامي: شعبنا لن يتراجع أمام آلة البطش الصهيونية وعن واجبه المقدس
  10. حصيلة ضحايا مدرسة ابتدائية في تكساس بأميركا ترتفع إلى 18 طفلا
  11. المقاومة بغزة ترفع حالة التأهب وتتخذ قراراً بشأن "مسيرة الأعلام" لا رجعة فيه
  12. جيش الاحتلال يشنّ حملة مداهمة واقتحامات واسعة في الضفة المحتلة والقدس
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)