الاثنين 20 جمادي الثانية 1443 
qodsna.ir qodsna.ir

مسرحیة المبادرات بین الحقائق والأوهام

منذ النشأة المشؤومة لدولة إسرائیل عم 1948. لم تنفک دول الغرب وعلى رأسها الولایات المتحدة عن طرح ما یسمى المبادرات لحل أزمة الصراع بین العرب وإسرائیل، وجاء إلى الدول العربیة وإلى الکیان الصهیونی عشرات بل مئات المبعوثین فی مهمات سلامیة، وکان العرب یأملون مع کل مبعوث جدید أن یتم التوصل إلى حل مرضٍ لهم یعید إلیهم شیئاً من الحقوق المغتصبة فی فلسطین، لکن سرعان ما کانت آمالهم تخیب عندما یعلمون أن ذلک المبعوث إنما جاء لینقل إلیهم فقط إملاءات واشنطن وتل أبیب، لا لیحلّ عقد المشکلة المستفحلة، وکان من أبرز نشطاء السلام وزیر الخارجیة الأمریکی الأسبق هنری کیسنجر، ومن ثم الأمریکی العربی فیلیب حبیب، ومن ثم الأمریکی دینس روسی وبینهما الکثیر، وصولاً إلى وزیرة الخارجیة الأمریکیة الحالیة کوندیلیزا رایس وما أدراک ما رایس، وهذه الأخیرة قامت بجولة مؤخراً على مجموعة من الدول العربیة /المعتدلة/ بالإضافة إلى إسرائیل ودعت الجمیع إلى التجهز لحضور المؤتمر الذی یرید بوش عقده فی أمریکا فی هذا الخریف، ومؤتمر بوش العتید هو آخر مبادرات السلام حتى الآن، ویعلق علیه بعض العرب آمالاً کبیرة مع أن الإدارة الأمریکیة لم تضع لهذا المؤتمر جدول أعمال ولم توضح ما إذا کان الهدف منه صنع السلام بالفعل أم بالکلام واللقاءات الثنائیة فقط، وقطعاً لن یکون هذا المؤتمر آخر المطاف، بل سیظل سیل المبادرات متدفقاً وسیظل العرب ینتظرون وصول قطار السلام إلى محطتهم، وهو حتماً لن یأتی، ولا شک أن المبادرات السلامیة الغربیة هی إستراتیجیة قائمة بذاتها تهدف إلى تأصیل وجود إسرائیل فی المنطقة العربیة، وإلى ذرِّ الرماد فی عیون العرب وقطع الطریق أمامهم سواءً أکانوا یریدون السلام مع إسرائیل أو الحرب ضدها، وهذه الإستراتیجیة تنفذ بالتنسیق مع إسرائیل ومن أجل مصلحتها، وهی تعمل على استبعاد السلام فی الوقت الحالی، لأنه لا یخدم أهداف إسرائیل التی ما تزال دویلة صغیرة وإذا حدثت تسویة مقبولة من قبل العرب فإن السلام سوف یعمّ وسیجد الیهود أنفسهم آنئذٍ وسط محیط کبیر من العرب ومع مرور الوقت ستذوب عنصریتهم وقد یتحولون إلى مجموعة بشریة صغیرة لا وزن لها ولا قیمة، وأیضاً فإن تلک الإستراتیجیة تعمل على منع العرب من محاربة إسرائیل، لأنهم أقوى منها وأیة حرب بینهما ستؤدی بلا ریب إلى تدیر وجودها، ولذلک تسعى إسرائیل بالتعاون مع حلفائها الغربیین إلى الإبقاء على حالة اللاحرب واللاسلم إلى أن یحین الوقت لتختار هی أحد الطریقین، وفی ظل هذا الوضع یستمر قدوم وفود السلام الغربیة إلى المنطقة العربیة، وکلما ذهب وفد جاء وفد آخر مکانه وهم لا یتعبون من الرواح والمجیء ولا من تکرار نفس الکلام على مدار الأیام والسنین، لکن الذی تعب وشبع تعباً وعذاباً وانتظاراً هم الفلسطینیین والعرب لأنهم هم الضحیة وهم کبش الفداء لتلک المحرقة التی أشعلها الغرب فی فلسطین، فمع کل یوم یمرّ تقضم إسرائیل المزید من الأرض الفلسطینیة وتعتقل وتشرد مئات الفلسطینیین وإذا أطلق الفلسطینیون صاروخاً محلی الصنع من قطاع غزة نحو مستوطنات الصهاینة فی النقب المجاور، یرسل الصهاینة طائرات أف 16 لتدمیر المنازل وقتل الأبریاء فی مدن القطاع، وشتان ما بین حجم الدمار الذی یخلفه صاروخ بدائی الصنع وبین حجم الدمار الذی تسببه القنابل الذکیة الأمریکیة ذات الأوزان الضخمة، ولم یعد فی مآقی الشعب الفلسطینی دموع حتى تنسکب، ولم یعد فی قلوبهم سوى الخوف والوجل من مستقبل لا یحمل لهم سوى المآسی المستمرة، لکنهم ورغم حجم المؤامرة التی ارتکبها الغربیون بحقهم وبحق إخوانهم العرب، فإنهم منزرعون ومرابطون فی مدنهم وقراهم، وهم یعلمون أن الغربیین لن یجلبوا لهم السلام حتى ولو ادّعوا ذلک، لکنهم یأملون أن یعی إخوانهم العرب ولا سیما المعتدلون منهم هذا الأمر، فیقلعون عن انتظار وصول المبعوثین، بل یبعثون برؤوس من یأتی منهم إلیهم إلى دولهم فی رسالة لا تخفى على کلِّ ذی لب.

(بقلم : محمد خلیفة / کاتب من الإمارات )

ن/25


| رمز الموضوع: 140805







الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)