الاثنين 20 جمادي الثانية 1443 
qodsna.ir qodsna.ir

توریط العرب وابتزاز الفلسطینیین

مؤتمر الخریف لیس أکثر من محاولة لتوریط العرب وابتزاز الفلسطینیین، ونحن نخدع أنفسنا إذا تصورنا أن أیاً منهم یمکن أن یکسب منه شیئاً، لأن السؤال الحقیقی هو: إلى أی مدى سیخسرون؟

(1)

الاتفاق منعقد بین المحللین “الاسرائیلیین” على أن مؤتمر أنابولس لن یقدم شیئاً للقضیة الفلسطینیة، وأن أولمرت أعجز من أن یخطو أی خطوة فی هذا الاتجاه. وهذا هو رأی ألوف بن فی “هآرتس”، وایتان بن تسور ورون روز نبلوم فی “یدیعوت أحرنوت”، ویوسف لبید فی “معاریف” وآخرین کثیرین.

أما أقطاب الائتلاف “الإسرائیلی” الحاکم الذین قبلوا بالمشارکة فی المؤتمر فقد تباینت مواقفهم إزاءه، لکنهم متفقون على ست نقاط أوردها تقریر نشرته صحیفة عربیة تصدر فی لندن یوم 10/11 بعد عرض لآراء الأقطاب الخمسة: أولمرت رئیس الحکومة وباراک وزیر الدفاع، ووزیرة الخارجیة تسیبی لیفنی، وزعیم حرکة شاس الدینیة إیلی یشای، وزعیم حزب “إسرائیل بیتنا” أفیجدور لیبرمان، النقاط الست غیر المختلف علیها هی: أمن “إسرائیل” ینبغی أن یکون محور أی اتفاق، الاعتماد الکامل على خریطة الطریق والتحفظات ال 14 التی أضافتها “إسرائیل” علیها (لا ذکر لقرارات الأمم المتحدة أو المبادرة العربیة) واشتراط قیام السلطة الفلسطینیة بتنفیذ جزئها الأول الخاص بتجرید فصائل المقاومة من سلاحها، رفض إصدار المؤتمر لأیة وثیقة تتعلق بقضایا الصراع الجوهریة (القدس واللاجئون والحدود)، عدم تحدید جدول زمنی لإجراء مفاوضات بعد المؤتمر، أن یصدر عن المؤتمر بیان عمومی جداً ضرورة اشتراک الدول العربیة، مع الإبقاء على ثنائیة المفاوضات بین “إسرائیل” والسلطة الفلسطینیة.

(2)

“إسرائیل” سعیدة باستمرار التفاوض مع السلطة الفلسطینیة ولا ترید للعرب أن یعکروا هذه الأجواء. فهی تأخذ من أبومازن ما ترید، وتواصل ذبح غزة وتدمیر بنیتیها الاقتصادیة والاجتماعیة، بل تذهب إلى حد قتل المرضى بمنع علاجهم، وحجب الحلیب عن الأطفال، ولا تتردد فی قطع الکهرباء، ومنع الوقود عن القطاع. ذلک کله یحدث فی الوقت الذی تتواصل فیه اللقاءات بین أبومازن وأولمرت، ویجلس الوفدان یتضاحکان حول موائد الطعام، ووسط ذهول عربی مدهش ومهین فی الوقت ذاته.

لا تستغرب هذه السعادة “الإسرائیلیة” لأنه فی ظل تلک العلاقة “الدافئة” مع قیادة السلطة الفلسطینیة قام الجیش “الإسرائیلی” منذ بدایة العام الحالی بقتل 350 فلسطینیاً، مقابل خمسة “إسرائیلیین” فقط قتلتهم المقاومة. وطبقاً لبیانات المنظمات الحقوقیة “الإسرائیلیة” فإن المستوطنین قاموا منذ بدایة العام بخمسة وعشرین ألف اعتداء على الفلسطینیین. وفی بعض مناطق الضفة، مثل الخلیل، أدت الاعتداءات إلى نزوح أعداد کبیرة من الفلسطینیین من أحیائهم. ورغم جسامة وتعدد تلک الاعتداءات فلم یقدم للمحاکمة سوى مستوطن واحد أفرج عنه بکفالة مالیة زهیدة. وفی شمال الضفة اقتلع المستوطنون عشرة آلاف شجرة زیتون، وقاموا بتسمیم مئات الآبار الارتوازیة، ناهیک عن قیامهم بإطلاق قطعان کبیرة من الخنازیر لتخریب المحاصیل الزراعیة. وحسب دراسة “إسرائیلیة” فإن الحواجز العسکریة التی تقیمها “إسرائیل” فی الضفة تؤدی إلى تعطیل حیاة 80% من الفلسطینیین.

لم أتحدث عن الاعتقالات ولا الاجتیاحات ولا مصادرة الأراضی ولا الجرائم التی ترتکب لحساب بناء السور، معتبراً أن ذلک کله تنشره الصحف ویعلمه الجمیع. وما یهمنی فی السیاق الذی نحن بصدده أن “إسرائیل” وهی “تتفاوض” مع أبومازن وجماعته لم تجد حرجاً فی أن ترتکب کل هذه الفواحش، وهی مطمئنة إلى أن ضعف موقف رئیس السلطة لن یدفعه إلى الاحتجاج على ما یجری، ولن یخطر بباله أن یغضب ویقطع المفاوضات.

فی 27/10 نشرت صحیفة “معاریف” مقالة لکبیر معلقیها بن کاسبیت قال فیها: “إن استمرار اللقاءات بین أولمرت وأبومازن أشاع ارتیاحاً فی مختلف الأوساط الدبلوماسیة، وأن حکومات العالم أصبحت بسببها متعاطفة مع “إسرائیل”، ومعنیة بتواصل تلک اللقاءات من دون أن تبدی اهتماماً کبیراً بفحواها ونتائجها”. من ناحیته قال أمنون إبراموفیتش المعلق فی التلفزیون “الإسرائیلی” باللغة العبریة “لاحظوا أن جیشنا قتل خلال الأربع وعشرین ساعة الأخیرة عشرة فلسطینیین بینهم أطفال، من دون أن یکون لذلک صدى یذکر فی العالم الخارجی”، أما عوفر شیلح مقدم برنامج “حصاد الأسبوع” فی القناة التلفزیونیة العاشرة فقد قال “إن التعاطف الذی یبدیه العالم إزاء “إسرائیل” وتسامحه معها، رغم ما یقوم به جیشها من عملیات تخلف قتلى فی صفوف الفلسطینیین، راجعان إلى أنهم فی الخارج أدرکوا أن هذه الممارسات لم تؤثر فی استمرار اللقاءات بین أولمرت وأبومازن. وکأن لسان حال العالم یقول إنهم لا یمکن أن یکونوا ملکیین أکثر من الملک. فإذا کان أبومازن یواصل لقاءاته مع أولمرت فی الوقت الذی یقتل فیه الجیش “الإسرائیلی” أبناء شعبه، فلماذا لا نقوم نحن بإبداء التفهم لعملیات “إسرائیل” العسکریة، ذلک کله لخصه متحدث فی مکتب أولمرت حین صرح لمراسل القناة الثانیة بأن المکاسب التی حققتها “إسرائیل” جراء اللقاءات مع أبومازن تفوق الخیال.

(3)

ثمة فخ منصوب تحت طاولة المؤتمر، (تعب علیه) تونی بلیر -المبعوث الدولی للشرق الأوسط ورئیس الوزراء البریطانی السابق- وجعل له عنوانا هو: إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطینیة ضرورة للتوصل إلى تسویة سیاسیة للصراع. وهی الخطة التی أوردت تفاصیلها النسخة العبریة لموقع صحیفة “هاآرتس” یوم (24/10).

قال تونی بلیر فی تقدیم خطته إنه من الضروری إدخال إصلاحات جذریة على الأجهزة الأمنیة التابعة للرئیس محمود عباس، کی تصبح أقدر وأکثر کفاءة فی التصدی لنشطاء حرکتی حماس والجهاد، لأنه من دون عملیات صارمة تقوم بها الأجهزة الأمنیة ضد حرکات المقاومة بشکل عام، فإنه لا أمل فی إمکانیة حدوث تقدم فی الجهود المبذولة للتوصل إلى تسویة سیاسیة للصراع. ولزیادة فاعلیة الأجهزة الأمنیة، فإن الخطة اقترحت إدخال إصلاحات على الجهاز القضائی ومؤسسة النیابة العامة فی الضفة لمحاکمة عناصر المقاومة وقادتها. إلى جانب ذلک، اقترحت تشکیل إدارة جدیدة للإشراف على السجون فی السلطة الفلسطینیة، مع وجود إشراف أوروبی، لضمان عدم الإفراج عن عناصر المقاومة الذین تتم محاکمتهم. ودعت الخطة إلى زیادة عدد المستشارین الأوروبیین الذین یساعدون الشرطة الفلسطینیة فی الأنشطة التی تقوم بها لتعقب نشطاء حرکات المقاومة، إلى جانب تکثیف عمل طاقم المنسق الأمنی الأمریکی الجنرال کیت دایتون، المسؤول عن زیادة فاعلیة الأجهزة الأمنیة الفلسطینیة وتحدیدًا جهاز أمن الرئاسة والأمن الوطنی. ومن أغرب ما اقترحه بلیر أن یتم ضم وزیر الدفاع “الإسرائیلی” إیهود باراک لیکون أحد أعضاء لجنة ثلاثیة “علیا” للإشراف على تطبیق الخطة، إلى جانب رئیس الوزراء الفلسطینی سلام فیاض وبلیر نفسه.

أخطر ما فی الخطة التی قدمها بلیر إلى رئیس الوزراء “الإسرائیلی” أنها عملت على وضع أسس لتصفیة قضیة اللاجئین الفلسطینیین. فبحجة العمل على تحسین الأوضاع الاقتصادیة للفلسطینیین اقترح إقامة مشاریع إسکان جدیدة لإعادة توطین اللاجئین فی الضفة الغربیة. وعلى رأس المشاریع التی اقترحها إقامة مدینة فلسطینیة جدیدة بالقرب من مدینة رام الله، وسط الضفة تخصص لإیواء عشرات الآلاف من اللاجئین الفلسطینیین بدعوى “إعادة تأهیلهم”. وهی الخطة ذاتها التی یدعو إلیها قادة ومنظرو الیمین المتطرف فی “إسرائیل” لتصفیة قضیة اللاجئین. وفی مقابل کل تلک الالتزامات التی تکبل السلطة الفلسطینیة، فإنها فقط تحث “إسرائیل” على تخفیف الإجراءات المفروضة على حریة الحرکة للفلسطینیین فی الضفة الغربیة، حیث اعتبر بلیر أنه من المهم أن یشعر الفلسطینیون فی الضفة الغربیة بحدوث تغیر “إیجابی” فی مستوى حیاتهم(!)

(4)

لا نبالغ إذا قلنا إن الموضوع الأمنی هو أهم ما تریده “إسرائیل” من المؤتمر، وذلک مطلب مشروع فی الظروف العادیة، حین ترنو الدولة لأن تعیش فی سلام مع جیرانها. ولکن حین تکون الدولة غاصبة ومحتلة، وغایة ما تریده أن تجرد الشعب الواقع تحت الاحتلال من المقاومة وأن تمکن من التوسع وتغییر الواقع لمصلحة الاستیطان ونهب الأرض، مع إحکام حصار ذلک الشعب من البر والبحر والجو، فإن الاستجابة لتلک المتطلبات تعد جریمة ضد الإنسانیة، وتأییدها یغدو تآمراً لا توافقاً. وهذا بالضبط ما تریده “إسرائیل”، سواء فی تمسکها بتطبیق المرحلة الأولى من خطة أو خریطة الطریق، أو فی ترحیبها بخطة تونی بلیر لإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطینیة.

لقد أشرت قبل قلیل إلى اتفاق أرکان الائتلاف الحاکم فی “إسرائیل” على أن یکون الأمن بالمفهوم الذی ذکرت هو محور أی اتفاق یتم مع السلطة الفلسطینیة ویتبناه المؤتمر فی ما یصدر عنه من بیان أو إعلان. وهذا ما ذکرته صراحة وزیرة الخارجیة “الإسرائیلیة” عقب اجتماعها الأخیر مع نظیرتها الأمریکیة، وبالتالی فإن “إسرائیل” لا ترید تفاوضاً حول أی شیء من عناوین القضیة الجوهریة، وهی تدرک أن الولایات المتحدة ومعها الرباعیة الدولیة تؤید قراءتها لموضوع الأمن.

إذا لم ینفجر المؤتمر وینسف بسبب المطالب “الإسرائیلیة” غیر المعقولة، وتمت تغطیة تلک المطالب من خلال الصیاغات الغامضة والعناوین الملتبسة، وإزاء رفض “إسرائیل” وضع جدول زمنی لإقامة الدولة الفلسطینیة، فإن غایة ما یمکن أن یتوصل إلیه المؤتمر هو تحدید سقف زمنی للاتفاق حول القضایا الجوهریة. وقد تحدثت رایس عن 14 شهراً لتحقیق هذا الهدف، فی حین أعرب أولمرت عن تمنیاته بإنجاز الاتفاق خلال عام. ولأنه قال من قبل إن الأمر یحتاج إلى ما بین 20 و30 عاماً، فإن هذا التحول بدا مثیراً للانتباه، ولا تفسیر له سوى أنه یرید أن یستثمر الفرصة الذهبیة المتوفرة ل “إسرائیل” حالیا، فی ظل وجود إدارة أمریکیة متبنیة بالکامل للأجندة “الإسرائیلیة”. وهی التی أعطت ورقة الضمانات ل “إسرائیل”، ووافقت فیها على عدم العودة إلى حدود عام ،67 وضم الکتل الاستیطانیة، ورفض عودة أی أعداد من اللاجئین إلى دیارهم. کما أن أولمرت یرید أن یستفید من القبول الأمریکی للملاحظات “الإسرائیلیة” على خریطة الطریق التی سجلها شارون أثناء تولیه رئاسة الحکومة (14 ملاحظة)، وهو ما تم أثناء ولایة الرئیس بوش الأولى، فی بیان مشترک نادر، وقعه کل من کولن باول الذی کان وزیرا للخارجیة، ورایس مستشارة الأمن القومی آنذاک.

إن الدول العربیة التی رفضت مبادرتها للسلام مطالبة بالمشارکة فی هذه المائدة المسمومة، لیصبح ممثلوها شهود زور على تأمین الاحتلال “الإسرائیلی”، وهو الموقف الحرج الذی یتعارض مع کل المواقف الرسمیة العربیة. أما السلطة الفلسطینیة التی راهنت على المؤتمر فلا أعرف کیف ستتصرف إزاء هذه البلطجة “الإسرائیلیة”، خصوصاً بعد الإطراء الذی وجهه أبومازن لأولمرت، وامتدح فیه “نزاهته واستقامته”. لکن الذی أعرفه أن ثقتنا بوعی الشعب الفلسطینی اکبر بکثیر من ثقتنا بکل الذین یتحدثون باسمه هذه الأیام.

( المقال للاستاذ فهمی هویدی فی موقع المحیط )

انتهی/م /25


| رمز الموضوع: 140801







الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)