الاثنين 20 جمادي الثانية 1443 
qodsna.ir qodsna.ir

خیارات إدارة بوش

العدّ العکسی لفترة إدارة بوش یسیر قدماً، وهاهی تقترب الآن من العام 2008 الذی سیکون فور بدئه عام الانتخابات الأمیرکیة حیث تتوقّف عادةً أیّة إدارة حاکمة عن القیام بمبادرات کبیرة من شأنها أن  تؤثّر سلباً على مرشحی الحزب الذی تنتمی إلیه الإدارة.

إذن، أمام بوش أقلّ من شهرین لحسم الکثیر من القضایا التی تشغل الرأی العام الأمیرکی الآن وتتصدّر لائحة أولویات المعارک الانتخابیة الأمیرکیة، وفی مقدّمتها طبعاً المسألة العراقیة.

ومن المهمّ الإشارة هنا أنّ موضوع العراق یعنی بالنسبة للأمیرکیین جملة من القضایا الداخلیة المهمّة. فهو أولاً مسألة ارتبطت بعدم مصداقیة إدارة بوش وبأکاذیب هذه الإدارة حول مبرّرات الحرب. أیضاً، یرتبط موضوع العراق بما یشغل بال الأمیرکیین من هواجس الأمن والعلاقة مع خطر الإرهاب الذی استهدفهم فی العام 2001. کما أنّه أمر مهم أیضاً من الناحیة الاقتصادیة حیث تستنزف الحرب فی العراق المیزانیة الأمیرکیة إذ تجاوزت التکالیف حتى الآن مبلغ 600 ملیار دولار، إضافةً إلى حجم الخسائر البشریة التی شملت عشرات الألوف من الجرحى والقتلى الأمیرکیین، وهی خسائر مالیة وبشریة مرشّحة للتصاعد إذا استمرّت إدارة بوش فی خطایا حساباتها وسیاساتها فی العراق وفی عموم منطقة الشرق الأوسط.

لکن المسألة العراقیة تشعّبت الآن إلى أزمات أخرى بالنسبة للأمیرکیین، أبرزها الأزمة مع إیران ومع من هم حلفاء إیران فی المنطقة.

لقد راهنت إدارة بوش على أنّ حربها على العراق وإسقاطها للنظام السابق سیدفع بدول أخرى للتسلیم بشروطها ومطالبها کما فعل النظام اللیبی. وکان عدد من أرکان إدارة بوش قد صرّحوا أکثر من مرّة عقب احتلال العراق بأنّ أمام "الدول المارقة" المعارضة لسیاسة واشنطن أحد نموذجین: النظام العراقی الذی أسقطته واشنطن، أو النظام اللیبی الذی تجاوب مع کل مطالب وشروط واشنطن للاعتراف به وإقامة العلاقات معه.

لکن تداعیات الاحتلال الأمیرکی فی العراق وفشل السیاسة الأمیرکیة فیه، غیّرت الکثیر من المعادلات والحسابات فی المنطقة کلّها. فالإدارة الأمیرکیة غیر قادرة الآن على ضبط الأوضاع الأمنیة والسیاسیة فی العراق أو التحکّم بمساراتها، وبالتالی فما کان "نموذجاً" أرادته واشنطن لدول أخرى أصبح کابوساً للجمیع.

تملک حتماً إدارة بوش قرار استخدام القوة العسکریة الأمیرکیة ضدّ بلدان أخرى لکن تبعات هذه الخطوة هی التی تمنع حدوثها، خاصّةً بعد المتغیّرات الداخلیة الأمیرکیة التی أفرزتها انتخابات العام الماضی والتی أوصلت غالبیة دیمقراطیة معارضة للإدارة إلى مجلسیْ النواب والشیوخ.

أیضاً، لم یعد سهلاً على إدارة بوش إدارة ظهرها لدول أخرى فاعلة فی عالم الیوم، ولا الاستهتار فی مرجعیة مجلس الأمن کما حدث فی العام 2003 بشأن غزو العراق.

وقد أدّت نتائج الانتخابات الأمیرکیة الأخیرة إلى إسقاط رموز مهمّة من أرکان إدارة بوش وممّن یعرفون باسم "المحافظین الجدد" وفی مقدّمتهم وزیر الدفاع السابق رامسفیلد والسفیر السابق فی الأمم المتحدة جون بولتون، وإلى تحجیم نسبی لدور مکتب نائب الرئیس تشینی وإعادة تنشیط دور وزارة الخارجیة الأمیرکیة فی التعامل مع الأزمات الدولیة بعدما صادرت هذا الدور مؤسسة وزارة الدفاع ومکتب نائب الرئیس.

ونلمس الآن هذا التحوّل النسبی فی السیاسة الخارجیة من خلال المفاوضات الأمیرکیة المباشرة مع حکومة کوریا الشمالیة رغم اعتراض تیّار "المحافظین الجدد" علیها وإصرار رموز هذا التیّار على مقولة العزل والإسقاط للأنظمة "المارقة"!

فقد فرضت تطوّرات الأوضاع فی العراق وانعکاساتها الداخلیة الأمیرکیة طریقاً ثالثاً تسلکه إدارة بوش الآن وهو طریق التفاوض التدریجی مع الأنظمة الخصم لها (کما یحصل الآن مع کوریا الشمالیة) وسقطت بذلک المقولة الأساس للإدارة التی وضعت من یخالفونها أمام أحد خیارین إمّا الإسقاط أو الاستسلام للشروط.

إنّ کلّ ما یدور الآن من ضجیج فی التصریحات والمواقف الأمیرکیة ومن حلفاء واشنطن الأوروبیین بشأن إیران، هو فی تقدیری أوراق ضغط تمارس الآن على حکومة طهران، ولن تصل إلى مستوى العملیات العسکریة. فالظروف تغیّرت وتتغیّر لغیر صالح إدارة بوش، وقرار التصعید العسکری ضدّ إیران کان متاحاً فی العام الماضی أکثر منه الآن ولم یحصل!

إنّ إدارة بوش تعیش الآن مرحلة التساقط التدریجی، ولیس لأجندتها أیّة آفاق مستقبلیة أو قدرة على الاستمراریة من خلال إدارة جدیدة، وهذا ما یضعف الآن إمکانات اتخاذ قرارات بحروب أخرى تلتزم بها أمیرکا والإدارة الجدیدة بعد انتخابات العام القادم. فأمام إدارة بوش حالیاً خیاران فقط: إمّا "إدارة" الأزمات القائمة الآن وترک الحلول لإدارة جدیدة، أو السعی لحلّ بعض هذه الأزمات وتسجیل مکاسب سیاسیة لحزب الإدارة (الحزب الجمهوری) فی الانتخابات القادمة، وممّا یحفظ قلیلاً ماء وجه هذه الإدارة حینما تغادر البیت الأبیض وتدخل التاریخ.

الخیار الأول یعنی سیاسة "اللاحرب واللاسلم" فی الملف الإیرانی وفی الملف الفلسطینی وفی العلاقات الأمیرکیة مع دمشق وفی تمدید الأزمة السیاسیة الراهنة فی لبنان إلى عام آخر، کما یعنی ذلک استمرار الأوضاع فی العراق على ما هی علیه من "تجارب" حلول جزئیة أمنیة وسیاسیة لا تُخرج الأمیرکیین من هناک ولا تسمح بدخول قوى الجوار إلیه!!

الخیار الآخر هو ممکن عملیاً لکنّه یحتاج إلى إرادة سیاسیة حاسمة من الرئیس بوش وإلى حسم الصراع الدائر الآن فی مواقع صنع القرار الأمیرکی بین تیّار الخارجیة الأمیرکیة الداعی إلى سلوک طریق المفاوضات (کما هو الآن مع کوریا الشمالیة) وإلى تبنّی توصیات لجنة بیکر/هاملتون، وبین تیّار مکتب نائب الرئیس تشینی الذی ما زال مصرّاً على الأجندة والأسلوب اللذین بدأت بهما إدارة بوش رغم فشلهما الذریع فی العراق وغیره.

وفی حال أخذت إدارة بوش بخیار الحرص على المصالح الأمیرکیة وبخلاصات تقریر بیکر/هاملتون، فإنّ التفاوض الأمیرکی المباشر مع إیران سیصبح هو أسلوب التعامل معها عوضاً عن التهدید بضربات عسکریة ضدّها، وسیکون مجلس الأمن ووکالة الطاقة الذرّیة هما مرجعیة الملف النووی الإیرانی، وستکون هناک جدّیة فی المؤتمر الدولی الذی دعا إلیه بوش حول الصراع العربی الإسرائیلی وتکون سوریا فیه طرفاً فاعلاً ومفاوضاً حول أرضها المحتلّة فی الجولان، إضافةً إلى مشارکة فلسطینیة شاملة تعبّر عن وحدة وطنیة فلسطینیة تعمل من أجل دولة فلسطینیة مستقلّة على کل أراضی الضفة وغزّة.

وستنعکس هذه الخطوات الجدّیة فی حال حدوثها بشکل إیجابی على الأوضاع الأمنیة والسیاسیة فی العراق، وستوجد مناخاً مناسباً لانتخاب رئیس لبنانی جدید بشکل توافقی یمهّد لمرحلة سیاسیة جدیدة فی لبنان.

کلّ ذلک ممکن إذا اختارت إدارة بوش السیر فی طریق مخالف لسیرتها السابقة، لکن بدیل ذلک لن یکون الآن إشعال حروب جدیدة.

إنّ الأسابیع القادمة، ولمسافة زمنیة هی أقلّ من شهرین، ستظهر مدى حسم إدارة بوش لصراع الإرادات فی حکومته، وهو فی الحقیقة الآن صراع بین من یریدون خدمة المصالح الأمیرکیة کما عبّرت عنها رؤیة لجنة بیکر/هاملتون وبین من یعملون لصالح أجندة فئویة عقائدیة قامت على مزیج من الأفکار والمصالح الخاصّة والتأثیرات الإسرائیلیة.

( المقال لصبحی غندور مدیر "مرکز الحوار العربی" فی واشنطن  )             

ن/25


| رمز الموضوع: 140793







الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)