الاثنين 20 جمادي الثانية 1443 
qodsna.ir qodsna.ir

مؤتمر (أمریکی!) برعایة دولیة، أم مؤتمر (دولی!)

 

 بعد زیارات متعددة ومتلاحقة لوزیرة الخارجیة الأمریکیة، کوندالیزا رایس، إلى منطقتنا، بغیة الإعداد الجید –کما یقولون–  لما بدأوا یتحولون الآن إلى وصفه من جدید بأنه "مؤتمر دولی للسلام"، فإننا لا نجد أی شیء، حتى اللحظة، قد تم، إلا الإعلان عن أن المکان الذی سیعقد فیه (المؤتمر!) هو مدینة "أنابولیس" الأمریکیة التی صار اسمها مرتبطاً بالمؤتمر. أما الصورة العامة لـ "مؤتمر أنابولیس" الذی لم یتبقَ لعقده – طبقاً لآخر المواعید غیر النهائیة المعطاة – سوى ثمانیة عشر یوماً، فإنها ما تزال قید التخیل وسط ما یکتنفها من غموض یبرز حیناً ویتلاشى أحیاناً! فما زال الجمیع یذکر کیف أعلن الرئیس بوش قبل أکثر من ثلاثة أشهر ونصف، وتحدیداً فی 16/7/2007، عن اعتزامه عقد "مؤتمر دولی" لإحیاء مسار السلام العربی الإسرائیلی، وما زال الجمیع یذکر کیف أخذ إعلان الرئیس بوش عن هذا (المؤتمر!) یستقطب، على نحو عجیب وغریب، مختلف أنواع الاهتمام الإعلامی والدبلوماسی المحلی والإقلیمی والدولی، ویعطی لِلوَجِلَة قلوبهم من الحروب وویلاتها بعض الطمأنینة والأمان!
ولکن –ونظراً لما یحتوی الأمر من صور غموض تظهر وتغیب– کلما اقتربنا من موعد انعقاد (المؤتمر الدولی!)، کلما انحسرت الآمال والتطلعات فیما یمکن أن یلده هذا (اللقاء – الاجتماع – المؤتمر!) المزمع التئامه فی الأیام الأخیرة للشهر الحالی، حیث أعلن مؤخراً عن 25 و 26 منه، بعد أن کان فی نصفه الثانی، ثم صار فی 15 و16 منه، ثم أتت رایس مؤخراً لتقول إن المؤتمر إن لم یعقد فی نوفمبر فإن الخریف سیظل مستمراً فی دیسمبر!!!
إن مما یدفع إلى انحسار التفاؤل وتزاید الریبة هو ما أعطی للمؤتمر من أوصاف وسمات وتسمیات ظلت تتبدل وتتغیر، وتتقدم وتتراجع، منذ إعلان الرئیس الأمریکی، فی 16/7/2007، عن نیته فی عقده، وحتى یومنا هذا. فالرئیس الأمریکی کان قد أعلن فی بدایة الأمر عن نیته عقد "مؤتمر دولی" فی الخریف، لإعادة إطلاق عملیة السلام على المسار العربی الإسرائیلی، لکن لم تکن أیام أربعة قد انقضت، حتى سارع البیت الأبیض لیصدر فی 20/7/2007 –وربما بضغط إسرائیلی – توضیحاً جاء  فیه أن الأمر "لا یتعلق بمؤتمر کبیر للسلام، ولکنه (لقاء!)، من أجل إنجاز الوسائل التی تؤدی إلى بناء مؤسسات أساسیة للفلسطینیین تمکنهم من تصریف شؤونهم بأنفسهم وتمنحهم الدیمقراطیة ". فتعبیر (لقاء) موسوماً بأنه (دولی!) یعنی أنه "لقاء دولی کبیر" یضم حشداً واسعاً من الدول، وینعقد تحت المظلة الأممیة، ممثلة فی منظمة الأمم المتحدة، وتحت رعایتها وضماناتها، بصفتها مرجعیة لـ (اللقاء!)، وذلک بهدف التفتیش عن آلیات تحقق الأمن الجماعی والسلم العالمی المهدد، وتعبر عن احترام القانون وسیادته، غیر أن کلاً من الولایات المتحدة وإسرائیل لم تستخدم، فیما بعد، تعبیر (مؤتمر!) أو (لقاء!)، بل استخدمت تعبیر (اجتماع!).
فإذا کان الأمر قد وُصف فی البدایة بأنه "مؤتمر دولی للسلام فی الشرق الأوسط"، وأن کل القضایا الجوهریة التی تشکل لب الصراع بین العرب وإسرائیل سوف تطرح فیه،  فقد کان طبیعیاً – وسط ما رأینا وسمعنا من أوصاف بالغَت فی الآمال والمطامح والتوقعات – أن یعبر البعض عن الضرورة إلى وجود مشارکة فاعلة للمنظمات الإقلیمیة والدولیة المعنیة بالصراع العربی الإسرائیلی، لاسیما جامعة الدول العربیة، ومنظمة الأمم المتحدة، ومفوضیة الاتحاد الأوروبی، ومنظمة المؤتمر الإسلامی...و...، بالإضافة إلى بعض الدول المهمة والأساسیة والکبیرة فی المنطقة مثل الصین وروسیا. لکن الولایات المتحدة الأمریکیة سرعان ما استدرکت الأمر، فأعلنت أنه لا إمکانیة لمشارکة أطراف إقلیمیة ودولیة، مشیرة إلى أن ما عناه الرئیس الأمریکی فی دعوته هو (اجتماع!) ترعاه الولایات المتحدة، ویضم  فی الأساس الإسرائیلیین والفلسطینیین وبعض الدول العربیة، مضیفة أن هذا الاجتماع إنما یهدف فقط إلى "کسر الجمود" الذی بات یحتوی المفاوضات بین العرب وإسرائیل!
فإذا کان (التجمع) المتوقع التئامه فی أنابولیس، بعد نحو أسبوعین، قد وصفه بوش ذاته، عند الإعلان عنه فی 16/7/2007، بأنه "مؤتمر، ثم أصدر البیت الأبیض، فی 20/6/2007، توضیحاً تحول فیه "المؤتمر!" إلى "لقاء دولی!"، ثم شرعت الإدارتان الأمریکیة والإسرائیلیة، بعد ذلک، فی إعطائه وصفاً آخر، مستخدمتین تعبیر "اجتماع" سترأسه وزیرة الخارجیة الأمریکیة، طبقاً لما هو مخطط ومفترض.
وإذا کانت اللجنة الرباعیة الدولیة لم تعد هی الأخرى تتحدث عن "لقاء دولی"، بل عن "اجتماع"، فإن الولایات المتحدة الأمریکیة تکون قد أنجزت – حتى قبل انعقاد المؤتمر – مهمة کبیرة بالنسبة لها، وهی تحدید الهدف الحقیقی من انعقاده، وهو التمهید إلى إنجاز تحالف على المستوى الدبلوماسی، کخطوة تمهیدیة بین الدولة العبریة ودول "الاعتدال" العربیة والسلطة الفلسطینیة، فی وجه تحالف دول "التشدد" العربیة، وهو ما یعنی بکل بساطة الشروع العملی – حتى قبل عملیة السلام – فی الاستجابة للرغبة التی عبرت عنها وزیرة الخارجیة الإسرائیلیة لیفنی، وهو بدء تطبیع عربی إسرائیلی یسهم فی خلق الخلاف والتباین بین الدول "المعتدلة" وتلک "المتشددة" فی العالم العربی.
ولکن، على الرغم من أن تبدل الأوصاف التی خلعت على (التجمع) المتوقع انعقاده، بعد نحو أسبوعین، فی أنابولیس بولایة میریلاند، من "مؤتمر!" إلى "لقاء!" إلى "اجتماع!"، قد أسهم فی تقلیص مستوى التوقعات والتقلیل من أهمیتها إلى درجة کبیرة، إلا أن أوساطاً عربیة رسمیة قد واصلت مبالغتها فی وصف (الاجتماع!) وأهمیة قراءة نتائجه سلفاً، والتحدث عن "دولة فلسطینیة" یمکن لهذا (الاجتماع!) أن ینتجها، محدداً تفاصیلها وراسماً حدودها، کما واصلت امتداح الإدارة الأمریکیة الحالیة والرئیس بوش على رأسها، على ما وصفته بـ "الموقف الإیجابی!" الذی تمثل فی اهتمامه بالمنطقة وقضایاها، وسعیه المخلص لحل مشاکلها!
الجدیر ذکره أن رئیس الوزراء الإسرائیلی، أولمرت، کان فی الخامس والعشرین من یولیو الماضی قد عرض "اتفاق مبادئ" من أجل إعلان "الدولة الفلسطینیة" کبدیل عن "المبادرة العربیة للسلام"، وهو ما أیدته الولایات المتحدة الأمریکیة! فخطة أولمرت هذه تسعى إلى إنشاء "دولة فلسطینیة" مسلوبة السیادة الحقیقیة، وذات حدود مؤقتة، إلى أن تبدأ مفاوضات مستقبلیة على المسار الفلسطینی الإسرائیلی تنتهی إلى اتفاق على الوضع النهائی للأراضی الفلسطینیة المحتلة، أی بمعنى آخر، إلى أن تحدث تغییرات دیموغرافیة (کالذی یحدث الآن ودون توقف من نشاط استیطانی غیر مسبوق، وبناء للجدار، وفصل للضفة عن القدس) إلى تحویل "الدولة الفلسطینیة" المرتقبة إلى شبه دولة لا تواصل بین أنحائها. فأولمرت لیس لدیه ما یمکنه من الاستجابة إلى الحدود الدنیا من التطلعات الفلسطینیة، فیما ینبغی التأکد أیضاً أن العرب –بمن فیهم الفلسطینیون–  لم یبق لدیهم أی تنازلات أخرى یستجیبون من خلالها للضغوط الأمریکیة والأطماع الإسرائیلیة. أما أولمرت، فقد ظل یؤکد –على نحو متصل– على أنه لا یستطیع الالتزام بأی جدول زمنی أو أی تفاصیل تتعلق بتاریخ بدء المفاوضات، أو تاریخ الانتهاء منها، أو أی صیغة تتعلق بالقضایا الأساسیة، أو حتى بأی إعلان عن نوایا مستقبلیة تتصل، مثلاُ، بوقف الاستیطان، أو تجمیده، أو إزالة بعض بؤره، أو الإفراج عن أسرى، أو الحد من القیود المفروضة على الحقوق الإنسانیة للفلسطینیین. لم یر أولمرت أن تأکیده المتصل على عدم الالتزام بأی شیء کان کافیاً، فأوغل فی تأکیده على کل ذلک بتأکید عملی (بعد الشفوی)، حیث أمر بخطوات عملیة میدانیة مباشرة من بینها عملیات الاجتیاح، والاغتیال، ومصادرة الأراضی، وزیادة التسارع فی بناء المستوطنات فی الضفة وقی القدس تحدیداً، حیث تم الاستیلاء حدیثاً على 1100 دونم من أراضی أبو دیس، والإعلان عن الشروع رسمیاً فی بناء 3500 وحدة استیطانیة فی المنطقة
E-1، والسماح ببناء 6100 وحدة سکنیة استیطانیة على أراضی الضفة، مع الاستمرار بمواصلة عملیات الفصل الجغرافی بین شمال الضفة وجنوبها، والاستمرار – بلا هوادة –  فی بناء جدار الفصل العنصری، والاحتفاظ بآلاف الأسرى، فضلاً عن أسرى جدد یتم اعتقالهم بما یزید عن أولئک الذین تم الإفراج عنهم مؤخراً! وفوق کل ذلک، فقد تم حتى الآن إقامة 4 مستوطنات ضخمة حول القدس لتحیطها من جهاتها الأربع، والإعلان عن تسویق 2000 وحدة استیطانیة، والمصادقة على الاستیطان فی "حی الیمن" بسلوان، وإصدار أوامر عسکریة بالاستیلاء على 378 دونم فی أراضی الطور والعیزریة وأبو دیس، ومطالبة 61 عضو کنیست فی عریضة وقعوا علیها بعدم التنازل عن أی أرض فی القدس. غیر أن أکثر ما یلفت الانتباه، هو أن یؤکد شمعون بیرس على أن الأماکن المقدسة ستبقى فی أیدی الإسرائیلیین لا محالة، على حد قوله!
لا إمکانیة ولا مکان، إذن، لطرح أی من القضایا الجوهریة (کالقدس واللاجئین والحدود والمیاه والأمن والاستیطان)، ذلک أنها تُرَحَّل إلى نهایة المفاوضات. وأما "اتفاق المبادئ" الذی طرحه أولمرت فی 25/7/2007 من أجل إقامة الدولة الفلسطینیة التی لا تتمتع بسیادة حقیقیة ولا بحدود دائمة، فإنه (أی اتفاق المبادئ) – على الرغم من ذلک – لا یمکن أن یکون نافذاً إلا بعد إجازته من الائتلاف الحکومی أولاً، ومن حزب کادیما الحاکم ثانیاً، ثم من الکنیست ثالثاً!!!
أما ما یلف (اجتماع أنابولیس الخریفی الدولی!) من غموض وتشاؤم، وما یرتبط بذلک من انحسار للتوقعات والآمال والتطلعات، فإن الغموض ما یزال –حتى اللحظة–  مستمراً حول الموعد النهائی للاجتماع، وحول الدعوة إلى المشارکة فیه، وحول الدعوات المتصلة بذلک. فی سیاق الغموض هذا، فقد أکد  مبعوث الرئیس/ محمود عباس، وعضو اللجنة المرکزیة لحرکة فتح، وعضو المجلس التشریعی الفلسطینی، الدکتور/ نبیل شعث، فی تصریحاته للصحفیین، عقب لقائه مع الأمین العام لجامعة الدول العربیة، السید/ عمرو موسى، على "ضرورة توافر کل المعلومات حول هذا المؤتمر قبیل انعقاده لیکون هناک موقف عربی وفلسطینی موحد وواضح بشأنه، مضیفاً القول إنه رغم إصرار الولایات المتحدة الأمریکیة على عقد المؤتمر الدولی للسلام وسعیها الجاد لعقده، إلا أنه "لا یوجد حتى الآن موعد محدد لانعقاده ولم توجه الدعوات بعد للمشارکین فیه، یضاف إلى الغموض الکبیر الذی یحتوی الاجتماع غموض آخر أبرزُه رفض الرئیس الأمریکی مطالبة الرئیس الفلسطینی "بوجود جدول زمنی للمفاوضات!"، فالغموض والتشابک والتشاؤم لا یقف، فقط، عند حدود القضایا التی ستتم مناقشتها فی الاجتماع والنتائج المتوقعة منه، ولا عند حدود الجدول الزمنی للمفاوضات الذی طالب به الرئیس الفلسطینی لیرفضه الرئیس الأمریکی، ولا عند حدود موعد انعقاد الاجتماع الذی لم یحدد على نحو نهائی بعد، بل إنه یتعدى کل ذلک لیصل إلى التشکیک فی إمکانیة عقد الاجتماع من الأصل، لاسیما وإن وزیرة الخارجیة الأمریکیة أفادت أنه إن لم ینعقد الاجتماع فی السادس والعشرین من نوفمبر، فإن الخریف یظل مستمراً فی دیسمبر! هذا، وإن زعیم حزب "إسرائیل بیتنا" ووزیر الشؤون الإستراتیجیة فی الائتلاف الحکومی، أفیجدور لیبرمان، قد أکد لصحیفة هآرتس، فی 17/10/2007، أن أقصى ما یمکن لأولمرت أن یقدمه فی اجتماع الخریف – إذا انعقد– هو "تحدید القضایا وعرضها ولیس البحث فیها". وفی حدیث أجراه،  فی 21/10/2007، مع القناة الثانیة فی التلفزیون الإسرائیلی قال لیبرمان: "سننسحب من الحکومة إذا بحثت فی مؤتمر السلام الذی سینعقد بعد حوالی الشهر فی واشنطن مع الفلسطینیین، القضایا الجوهریة، مشیراً إلى أنه ینسق هذا الموقف مع رئیس حزب "شاس" ونائب رئیس الوزراء الإسرائیلی، یشای، الذی أدلى هو الآخر بتصریحات مماثلة حیث قال: "إن شاس لن یشارک بمداولات حول القدس فی مؤتمر أنابولیس"، مضیفاً أن تضمین القضایا الجوهریة، فی بیان یصدر قبل انعقاد المؤتمر، أو بعده، سیثیر مشاکل فی حزبه. وکان یشای قد قال، فی تصریح له، لصحیفة هآرتس، إن مجرد ذکر القدس فی وثیقة توقع فی المؤتمر سیؤدی إلى انسحاب "شاس" من الحکومة، الأمر الذی قد یؤدی إلى حلها وانهیارها، منوهاً أن هذا الأمر أیضاً مرتبط بقرار لیبرمان بالانسحاب، وقد أکد لیبرمان ذلک بقوله إنه "إذا أجریت مداولات المؤتمر حول قضایا القدس واللاجئین والحدود فإن هذه الحکومة لن تستطیع الاستمرار فی عملها، وهذا هو موقفی وموقف یشای، ولن نستطیع البقاء کجزء من الحکومة، إذا بحثت القضایا الجوهریة فی لقاء أنابولیس".
وبعیداً عن کل ما یلف اجتماع الخریف الدولی من غموض، وما یعتریه من ملابسات، وما یتصل بالدعوة إلى عقده من مبررات ودوافع ومسوغات – وهی جمیعها ذات علاقة واضحة ومباشرة بالوضع الأمریکی من حیث مواجهة المستنقع العراقی، والتحدی الإیرانی، والرغبة الأمریکیة الجامحة فی تحقیق الهیمنة الکلیة الشاملة على العالم، وبعیداً عن التغییرات والتبدیلات فی المسمیات والتوصیات التی أعطیت (للتجمع فی أنابولیس) من "مؤتمر للسلام فی الشرق الأوسط" إلى "لقاء دولی لإحیاء مسار السلام العربی الإسرائیلی" إلى "اجتماع إجرائی" لا أکثر، فإن هناک عوامل وأسباباً جوهریة تدفع إلى المزید من الالتباس والغموض الذی یتصل بالنجاح والفشل، ومن بین هذه الأسباب أو العوامل، العمل على دعم سلطة عباس لتأمین عزل حماس، وتعمیق القطیعة بین أکبر فصیلین مقاومین، وترسیخ الانقسام الفلسطینی الحالی.  غیر أن ما لا ینبغی لأی أحد أن ینساه، أو أن ینکره، أو أن یتجاهله، هو أن إقصاء حماس وتعمیق القطیعة وترسیخ الانقسام الحالی لا یمکن أن ینتج فی النهایة حلاً، ذلک أن أی سعی من أی جهة إلى "سلام" مع جزء أو فصیل من الشعب الفلسطینی وسط استثناء الآخرین هو سعی ضال وغیر منتج. فإذا کان الإسرائیلیون وعلى رأسهم رئیس وزرائهم، أولمرت، یسعون أو یدعون السعی إلى دعم الرئیس عباس، فإننا ندرک، یقیناً، مدى الکسب الذی یتطلعون إلى تحقیقه فی اتجاه عزل حماس من خلال دعم عباس، ومن ثم فی اتجاه عزل عباس، سیاسیاً، بعد أن یتحقق إقصاء أو اجتثاث حماس. إن سعی إسرائیل إلى دعم سلطة عباس هو سعی مخلص تبذله بقدر قیمة الأهداف وأهمیة المصالح التی تسعى إلى تحقیقها، وفی صدارتها تصفیة النشاط الفلسطینی المقاوم.
لقد مر الفلسطینیون بتجارب الحوارات واللقاءات والمفاوضات والمبادرات، بغیة تسویة سلمیة، فمن "کامب دیفید" بین مصر وإسرائیل، إلى "مدرید"، إلى "أوسلو"، إلى "کامب دیفید" بین عرفات وباراک، إلى "وای ریفر"، إلى "وای بلانتیشن" إلى "شرم الشیخ"... إلى... إلى... حیث کانت الأمور تصل إلى الباب المسدود بمجرد ملامسة قضایا جوهریة ثلاث هی الأساس الذی بدونه لا تفتح أبواب الحلول: القدس واللاجئون والاستیطان.
إن الإدارة الأمریکیة الحالیة – بتورطها فی کل مکان تواجدت فیه، کالعراق وأفغانستان وفلسطین ولبنان، وبمحاولتها المستمیتة لفرض هیمنتها – قد وصلت إلى إدراک فشلها دون التصریح به أو الإعلان عنه، فضلاً عن تراجع الجمهوریین أمام زحف الدیمقراطیین وسیطرتهم على الکونجرس، وانخفاض جماهیریة بوش فی الداخل الأمریکی على نحو غبر مسبوق، الأمر الذی دفع إلى محاولة استعادة شعبیته، وإلى إعادة التفکیر الکلی على أمل استرجاع مصداقیته ومصداقیة الولایات المتحدة الأمریکیة من خلاله، فبرز الحدیث عن "الاعتدال" و "التشدد"، فیما أخذت صورة "الشرق الأوسط الکبیر" فی الانحسار والتراجع لصالح تزاید الحدیث عما یُوصف  بـ "الشر"، و"محور الشر"، فی إشارة واضحة إلى  (التشدد والتطرف) مقابل "الاعتدال".
أما الرئیس الأمریکی بوش، فهو یحاول جاهداً – کما قلنا فی مقال سابق – إلى قسمة حتى المعتدلین من العرب إلى قسمین، دون أن یضع فی اعتباره –ولو على سبیل الاحتمال– أن المعتدلین من العرب لا یذهبون معه إلى حیث شاء سلباً کان ذهابه أم إیجابا، فالمملکة العربیة السعودیة – على سبیل المثال – لها شروط إن استجیب لها کانت مشارکتها فی اجتماع الخریف، فضلاً عن التأکید العربی الذاهب إلى أنه لا نیة للتراجع عن مبادرة السلام العربیة، أو تغییرها، أو تعدیلها.
آخر الکلام:
إذا کان واضحاً تماماً أن اجتماع الخریف هو اجتماع إجرائی تشاوری، حسب رایس،  وإذا کان الاجتماع لا یهدف إلى إیجاد حل حقیقی للقضیة الفلسطینیة، استناداً على القرارات الأممیة، ومبادئ القانون الدولی، وخاصة فیما یتعلق بالقرار 194 القاضی بعودة اللاجئین الفلسطینیین إلى أراضیهم التی هجروا منها بالقوة عام 1948، أو القرار 242 القاضی بالانسحاب الکامل حتى حدود الرابع من یونیه 67 بما فی ذلک الانسحاب من القدس الشرقیة، وإذا کان الاجتماع سیستند – فیما سیستند إلیه من رسائل وضمانات ووثائق–  إلى وثیقة بوش التی تعتمد اللاءات الإسرائیلیة الثلاث فی وجه القضایا الفلسطینیة الأساسیة الثلاث، وإذا کان الاجتماع ستحضره قرابة 40 دولة ومنظمات دولیة معنیة، وإذا کان الاجتماع لم تَدْعُ إلى عقده منظمة الأمم المتحدة، بل دعا إلى عقده رئیس الولایات المتحدة الأمریکیة، على أن تقوم وزیرة الخارجیة، رایس، برئاسته وإدارة أعماله، وإذا کان الاجتماع لا ینعقد بضمانات أممیة تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة بصفتها مرجعیته الرئیسیة، وإذا کانت الدعوات إلى الاجتماع ستوجه من الرئیس الأمریکی الذی یقرر هو وإدارته من یُدعى إلى المؤتمر ومن لا یُدعى، فهل یکون هذا الاجتماع الخریفی الدولی الغامض مؤتمراً (أمریکیاً) برعایة (دولیة)، أم یکون مؤتمراً (دولیاً) بآلیات ضبط ووصایة ورعایة (أمریکیة)؟!!

( المقال للکتور أیوب عثمان کاتب وأکادیمی فلسطینی – جامعة الأزهر بغزة/ فلسطین )

ن/25

 

 

 

 


| رمز الموضوع: 140789







الصفحات الاجتماعية
instagram telegram twiter RSS
فيديو

وكالةالقدس للأنباء


وكالةالقدس للأنباء

جميع الحقوق محفوظة لوکالة القدس للأنباء(قدسنا)