qodsna.ir

على أبواب الشتاء عائلات من دون مأوى

على أبواب الشتاء عائلات لا تجد ما تأوی به أطفالها فی البلدة القدیمة من نابلس

على ما یبدو فإن حر الصیف بدأ یتلاش لینذر بقدوم ضیف عزیز اخذ بالدخول إلى بیوتنا وأصبح واحدا منا وعلینا أن نتخذ الاحتیاطیات اللازمة للوقایة من برده القارس، غیر أن الکثیرین من مستوری الحال یشکون إلى الله قلة حیلتهم ویسألونه أن یخفف عنهم ما ابتلوا به من فقر وحاجة لیستطیعوا النجاة من عواقب برد الأیام القادمة.

فی أیام الشتاء الأولى تبدأ العائلات بشراء ما یلزمها لهذا الفصل الذی یبدوا انه سیکون باردا جدا خاصة بعد أن واجهنا صیف حارا ترک ظلاله إلى یومنا هذا، البعض یبدأ بشراء ما یحتاجه من وقود لتتغذی به تدفئته، والبعض الآخر لا یألوا جهدا بتخزین اسطوانات الغاز خوفا من غلائه او انقطاعه فی وسط الفصل بعد ازدیاد الطلب علیه، وعائلات أخرى تبدأ بفرش البیت بأنواع مختلفة من السجاد والموکیت لیساعد على بث نوعا من الدفء فی مختلف أنحاء المسکن.

غیر أن ما یلفت النظر کثیرا هو حال عشرات الآلاف من الأسر الفلسطینیة التی تعانی وضعا اقتصادیا معقدا لا یسمح لها حتى تأمین ابسط متطلبات الحیاة فی هذا الفصل البارد جدا، فی البلدة القدیمة من مدینة نابلس حیث الکثیر من العائلات المستورة تعیش بین أرکان بیوت صغیرة بنیت غالبیتها قبل أکثر من مئة عام من الآن وتفتقد تلک البیوت إلى أساسیات الحیاة تسکن عشرات القصص التی تحکی واقع ألیم یعکس واقع الحال بعد أن أصبح الغلاء الفاحش یستفحل فی کل مکان من أرجاء هذا الوطن.

طلبنا من احد الأصدقاء هناک أن یرافقنا لأننا لا نقوى على المرور دون دلیل لصعوبة المنطقة جغرافیا حیث من السهل جدا على المرء أن یفقد مساره بین تلک الأزقة دخلنا هناک لنرقب عن قرب حینا، ومن بعید أحیانا أخرى حیاة الناس الطبیعیة دون أن یشعر أهل الأحیاء هناک أننا صحفیون حتى لا یتصنع بعضهم أمامنا فسمعنا العدید من النساء اللواتی کن یتحدثن إلى بعضهن من نوافذ البیوت المتلاصقة ببعضها البعض وکنا نحن نمر من تحت تلک النوافذ ونتجول فی أزقة اقل ما یمکن القول عنها أنها ضیقة جدا بالکاد تسمح لشخص واحد بالمرور فیها فکانت قصصهن تنم عن واقع صعب تواجهه تلک العائلات فی تأمین احتیاجات الشتاء الذی زارنا کضیف دون إذن مسبق.

دخلنا إلى ارض دیار احد البیوت هناک حیث یتجمع فیها أکثر من عائلة او عائلة واحدة ولکنها کبیرة جدا بعدد أفرادها تجمع حولنا عدد من الصبیة الذین وجدوها فرصة جیدة للعب بعد أن حرموا من التجمع بعد مشکلة وقعت بینهم ومنع کل واحد منهم النزول للعب فی " الحوش" وبدأنا نستطلع آرائهم حول ظروف الحیاة التی یعیشونها وکیف لهم أن أمنوا احتیاجات حیاتهم مع بدایة فصل الشتاء الذی یکثر فیه الطلب على الاحتیاجات الأساسیة للبیوت ومع الارتفاع العالی فی أسعار السلع الضروریة فوجدنا أن غالبیة هذه العائلات تقضی الشتاء دون أن یکون لدیها اقل المتطلبات اللازمة له، فالکثیر من العائلات تتقاسم جالون الغاز طیلة موسم الشتاء لتعذر استخدام غیر التدفئة المزودة بغیر الغاز هناک، وعائلات أخرى ترى أن موسم الشتاء سیجلب لها الفقر الکثیر رغم انه فصلا الخیر والبرکة إلا انه بالنسبة لهذه العائلات او للمسئولین عنها فانه سیمنعهم من البحث عن عمل حیث تقل فرصه کثیرا مع بدایة الشتاء.

 خرجنا من بیت هذه العائلة لننتقل إلى آخر لعل الحال یکون أفضل من قبل لکنا وجدنا واقعا أکثر ألما وحزنا، فی حوش الجیطان فی حارة حبس الدم بالبلدة ذاتها حیث الأزقة المظلمة والطویلة کانت الحاجة أم ریاض تقف وحیدة على مدخل بیتها الآیل للسقوط بعد أکل الدهر علیه وشرب، تنظر إلى البعید، ربما تنتظر أحداً أو ترفه نفسها قلیلاً، رأتنا فرحبت بنا واستقبلتنا بوجهها البشوش وعیونها الهرمة المتعبة وتقاسیم وجهها المثقلة بالهموم من مآسی الزمن دعتنا للصعود إلى منزلها لنرى حالها لکن رحلة الصعود لم تکن بالأمر الهین فالشاب العشرینی ما إن یصعد درجتین أو ثلاثة حتى یبدو علیه التعب، کل درجة تبعد عن الأخرى حوالی 30 سنتیمتراً إن لم یکن أکثر، فکیف بأم ریاض ذات الـ80 عاماً أن تصعد ذلک الدرج الذی یغلب على بیتها کل یوم عدة مرات؟! وصلنا أخیراً إلى ممر ضیق یؤدی إلى المطبخ الذی لا یکاد یتسع لشیء والأسوأ فی الأمر ذلک الجدار الذی یفصل المطبخ عن الحمام الذی لا یکاد یتسع حتى لها، على بعد خطوة واحدة وصلنا إلى غرفة النوم القدیمة قدم زواجها، خیوط العنکبوت تتدلى من کل رکن وزاویة، ونوافذ حطم القصف الإسرائیلی زجاجها لیترک منذ سنوات على نفس الحال الذی هو علیه وفصل الشتاء على الأبواب، بل دخل إلى البیوت وبحاجة إلى الاستعداد له ولا شیء لدى هذه الحاجة.

ولیس ببعید عن تلک الحارة المعروفة بصلدها ومقاومتها الشدیدة للجیش الإسرائیلی خلال الانتفاضة الحالیة والسابقة کانت جولتنا الأخیرة فی حارة القریون حیث تعیش أم صبری التی یعانی ثلاثة من أبناءها من الأزمة الصدریة نتیجة الرطوبة العالیة فی المنزل، فهی تعیش فی منزل ضیق لا متنفس للهواء فیه سوى السقف المفتوح والبرد الذی یخفق من کل اتجاه، فی هذا البیت المتواضع جدا یعیش عشرة أشخاص فی غرفتین فقط وعلى حد تعبیر البنت الکبرى لأم صبری نحن نعیش من قلة الموت. رأتنا أم العبد ریحان من الحارة ذاتها ونحن مغادرون فقالت لنا على عجلة نحن نعیش فی منزل مستأجر مکون من غرفة نوم واحدة وصالون صغیر یستعمل للنوم أیضا، أم العبد لا معیل لها سوى ابنها ذو السبعة عشر ربیعاً، أما ابنها أحمد البالغ من العمر8 سنوات فحلمه الأکبر جدران ملونة ومنزل له ساحة یستطیع أن یزرع فیها الأشجار ویلعب فیها مع أصدقائه.. فهل سیتحقق لأحمد هذا الحلم یوماً ما؟

ترکنا المکان وما زالت ذکریات ذلک الیوم تسیطر على عقولنا، ولا زال سؤال واحد بحاجة إلى ألف إجابة وإجابة من لهؤلاء بعد الله؟ 

 ( المقال للکاتب الفلسطینی  خالد عبد القادر  فی موقع أمین )

ن/25

 

 

 


| رمز الموضوع: 139328